Topتحليلاتسياسة

اعتراف لم يصل مجدداً إلى الكنيست… هآرتس تكشف عامل باكو 

قرار الحكومة الإسرائيلية الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية ما زال سارياً، غير أن مشروع القانون لم يعد مدرجاً على جدول أعمال الكنيست. الصحيفة الإسرائيلية المرموقة “هآرتس” (Haaretz) تؤكد أن العملية توقفت بعد ضغوط من أذربيجان. فما هي المصالح السياسية الكامنة وراء هذا القرار؟

في إسرائيل، توقفت عملية الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية، كما كان الخبراء قد توقعوا قبل أيام. وقد تطرقت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية المرموقة إلى الموضوع، التي أوضحت في تقريرها أن السبب كان تدخل أذربيجان.

تذكّر الصحيفة بأن الحكومة الإسرائيلية كانت قد أقرت بالإجماع، في أواخر حزيران يونيو، مشروع قانون الاعتراف بالإبادة الأرمنية، الذي بادر إلى طرحه وزير الخارجية الإسرائيلي جيديون ساعر. لكن قبل أن يصل المشروع إلى الكنيست ويصبح قانوناً، تم تعليق العملية.

وبحسب “هآرتس”، فإن مستشار الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف للشؤون الخارجية، حكمت حاجييف، تواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وبعد ذلك، وبفضل تدخل نتنياهو الشخصي، أُزيل المشروع من جدول أعمال البرلمان.

وأشار الخبير في الشؤون التركية روبين سافراستيان إلى أن هذا قد يعني عدة أمور: “إذا كان تقرير “هآرتس” يعكس فعلاً الواقع، فعلينا أن نفترض ما يلي: أولاً، إن إسرائيل لديها نوع من التبعية لأذربيجان. هذا واحد. ثانياً، ما طبيعة هذه التبعية؟ نحن نعلم أن إسرائيل باعت كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر لأذربيجان. من الواضح أن هذا، برأيي، لم يكن العامل الحاسم في هذه الحالة، بل إن إسرائيل استجابت لطلب أذربيجان”.

ورغم أن تركيا وأذربيجان كانتا تعلنان رفضهما العلني لاعتراف إسرائيل بالإبادة الجماعية الأرمنية، فإن تصريح باكو حول المسألة اتسم بنبرة أكثر دبلوماسية بشكل ملحوظ.

وجاء في البيان: “تشويه الحقائق التاريخية حول أحداث عام 1915، وتحويل قضية تاريخية معقدة إلى قرار سياسي من دون أساس قانوني أو علمي متين، أمر غير مقبول. نحن ندعو الحكومة الإسرائيلية إلى إعادة النظر في هذا القرار”.

إن نية إسرائيل الاعتراف بالإبادة الأرمنية كان كثير من المحللين يعتبرونها رسالة سياسية موجّهة إلى تركيا. ففي السنوات الأخيرة، وصفت أنقرة مراراً أفعال إسرائيل في غزة بأنها إبادة جماعية. لذلك، يرى بعض الخبراء أن قرار الحكومة الإسرائيلية يجب فهمه في هذا السياق تحديداً.

لكن أذربيجان، التي تربطها علاقات استراتيجية في آن واحد مع تركيا وإسرائيل، حاولت، بحسب تقرير “هآرتس”،  أن تمنع تل أبيب من اتخاذ هذه الخطوة. ويرى الخبير في الشؤون التركية روبين سافراستيان أن هناك عاملاً آخر في تبعية إسرائيل لأذربيجان، وهو مرتبط بإيران: “يجب أن نفترض أن أذربيجان مهمة بالنسبة لإسرائيل من حيث أنها تتيح لها إمكانيات متعلقة بإيران، عبر توفير أراضيها لإسرائيل. لا أستطيع أن أقول هذه الإمكانيات بالتحديد. أي أن إسرائيل معنية بشكل مباشر بأن تواصل أذربيجان القيام بما فعلته حتى الآن أو أن تسمح لها بالقيام بذلك”.

وتذكّر “هآرتس” بما كانت قد أوردته شبكة CNN في حزيران يونيو، أن القوات الإسرائيلية عملت خلال أيام الحرب التي بدأت ضد إيران في شباط فبراير أيضاً من الأراضي الأذربيجانية. إضافة إلى ذلك، يُذكر أن باكو اليوم تُعد من أبرز الشركاء الطاقويين لتل أبيب، إذ يُستورد من أذربيجان جزء كبير من النفط الذي تستهلكه إسرائيل. كما أشارت الصحيفة الإسرائيلية إلى أن أذربيجان على مدى سنوات اشترت أسلحة وتقنيات عسكرية إسرائيلية، استُخدمت بفعالية كبيرة في الحرب التي استمرت 44 يوماً. ويرى روبين سافراستيان أن كل ذلك أثّر في أن تستجيب إسرائيل لطلب أذربيجان.

نفى وزير الخارجية الإسرائيلي ساعر اتهامات “هآرتس”، قائلاً للصحيفة: “هناك قرار حكومي بشأن الاعتراف بالإبادة الجماعية، وقد تم اعتماده بالإجماع… لن يتغير، وهذا هو الأمر المهم والحقيقة التاريخية”.

لكن عملياً، لم يعد مشروع القانون مدرجاً على جدول أعمال الكنيست. فقد سُحب قبيل عطلة البرلمان، وأُرجئ موضوع الاعتراف إلى أجل غير محدد. والسؤال الآن: إلى أي مدى واقعي أن تعيد إسرائيل قريباً إدراج مسألة الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية على جدول أعمال البرلمان، وما الذي يمكن أن يؤثر في هذه العملية؟

يذكّر الخبير روبين سافراستيان بتوقعه أن الكنيست لن يعتمد أبداً قرار الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية، رغم أن إسرائيل قد تعيد طرح الموضوع بين حين وآخر:

“تستخدم إسرائيل قضية الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية لأهدافها الجيوسياسية، المرتبطة بتركيا. وذلك للرد بشكل ما على الخطاب المعادي لإسرائيل الصادر عن تركيا”.

وليس من قبيل الصدفة أن قرار الحكومة الإسرائيلية لم يُلغَ شكلياً، لكن الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية جُمّد فعلياً. وأشار روبين سافراستيان إلى أنه مقتنع بأن ما يُسمى بالحرب الخطابية بين تركيا وإسرائيل سيستمر، بل قد يزداد حدة، لكنه لا يعتقد أن القضية يمكن أن يكون لها استمرار.

إظهار المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى