
عندما كان المصور الأرمني كيغام جيغالايان يوثق الحياة اليومية في غزة خلال القرن الماضي، كانت المدينة ترتبط في ذاكرته بصور الأعراس، والاحتفالات، والنزهات البحرية، وأجواء اجتماعية مختلفة تماماً عن مشاهد الدمار والمخيمات التي باتت تهيمن على القطاع اليوم.
الصور التي التقطها جيغالايان تعود إلى حقبة بعيدة عن واقع غزة الحالي، إذ تظهر مجتمعاً نابضاً بالحياة، مليئاً بالتفاصيل اليومية والعلاقات الاجتماعية المتنوعة.
وقال حفيده، الذي يشرف اليوم على معرض أعماله في مدينة مرسيليا جنوب فرنسا: هذه هي غزة التي لم نعد نعرفها اليوم.. غزة مفعمة بالأمل، ومنفتحة على العالم، مرتبطة بالقطارات والمطار.
وكان كيغام جيغالايان قد نجا من الإبادة الأرمنية عام 1915، قبل أن يستقر لاحقاً في غزة، حيث افتتح عام 1944 أول استوديو تصوير في تاريخ المدينة.
ورغم النزاعات المتكررة التي شهدتها المنطقة بين مصر والأراضي التي أصبحت لاحقاً دولة إسرائيل عام 1948، رفض مغادرة غزة، وواصل على مدى أربعة عقود توثيق تفاصيل الحياة الفلسطينية حتى وفاته عام 1981.
ويُعرض اليوم نحو 300 صورة من أرشيفه ضمن معرض في مرسيليا يستمر حتى شهر سبتمبر.
وتظهر إحدى الصور أطفالاً يقفون فوق بعضهم البعض في ساحة مدرسة للاجئين الفلسطينيين، بينما توثق صور أخرى نساء أنيقات بجوار آلات خياطة، وأطفالاً على الشواطئ والشرفات، ومشاهد من الحياة اليومية في شوارع غزة.
ومن بين الصور اللافتة أيضاً، صورة للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر والكاتبة سيمون دو بوفوار بعد وصولهما إلى غزة في مارس 1967، قبل أشهر قليلة من احتلال إسرائيل للقطاع خلال حرب الأيام الستة.
ويقول كيغام الابن، أستاذ الثقافة البصرية البالغ من العمر 41 عاماً، إنه نشأ على قصص جده “مصور غزة والناجي من الإبادة الأرمنية”، مضيفاً أن والده اكتشف بالصدفة عام 2018 أكثر من ألف نيغاتيف محفوظة داخل ثلاثة صناديق حمراء في شقة العائلة بالقاهرة.
وضمت المواد المكتشفة صوراً شخصية وعائلية، ومشاهد لأطفال على الشواطئ، وشوارع مزدحمة، وصوراً تعكس التنوع الاجتماعي في غزة.
ويضيف: نرى مجتمعاً متنوعاً للغاية؛ أرمن، ويونانيون، وفلسطينيون، وبدو، إضافة إلى أشخاص هُجّروا بعد أحداث عام 1948.
ويؤكد أن المعرض، الذي يحمل عنوان “Photo Kegham of Gaza: Unboxing”، تعمد عدم إرفاق الصور بشروحات تفصيلية، لأن الأرشيف بالنسبة له “منقطع وغير مكتمل”، ويعكس قصصاً مزقتها الحروب والإبادة والاحتلال.
وسينتقل المعرض لاحقاً إلى مدينة بريستول البريطانية في أكتوبر المقبل.
وفي محاولة لاستكمال الأرشيف، تعاون كيغام الابن مع الفلسطيني مروان الطرازي، الذي كان يحتفظ بجزء من المواد بعد أن ورث شقيقه استوديو التصوير.
لكن هذا التعاون انتهى بشكل مأساوي، إذ قال كيغام الابن إن مروان الطرازي وزوجته وحفيده قُتلوا خلال غارات إسرائيلية في أكتوبر 2023.
أما أوري فارتشابيديان، وهي سيدة أرمنية من أصول لبنانية تبلغ 70 عاماً حضرت المعرض في مرسيليا، فقالت إن الصور أعادتها إلى ألبومات العائلة القديمة.
وأضافت: من المؤلم رؤية هذه الأشجار والشاطئ الجميل.. والأكثر إيلاماً أن نشاهد كل ذلك في ظل ما يحدث اليوم.







