Topتحليلاتسياسة

محلل سياسي: من خلال الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية، فإن الحكومة الإسرائيلية قد تحركت أولاً وفق مصالحها السياسية الضيقة  

يرى المحلل السياسي أرمين بيتروسيان أن هناك عدة أسباب وراء قرار إسرائيل في هذه المرحلة تحديداً إعادة طرح مسألة الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية على جدول الأعمال.

وفي حديثه مع وكالة “أرمنبرس”، تطرق بيتروسيان بالتفصيل إلى الحقائق الإقليمية، التطورات العالمية، والعمليات السياسية الداخلية في إسرائيل، التي شكلت أساساً لنهج الحكومة الإسرائيلية وقرارها.

وقال بيتروسيان: “أولاً، وصلت العلاقات بين إسرائيل وتركيا إلى مستوى غير مسبوق من التوتر. التراشق السياسي بين الطرفين بلغ أعلى مستوياته، حيث يواصل مسؤولو البلدين توجيه انتقادات حادة متبادلة وطرح اتهامات متقابلة. عندما بدأت إسرائيل عام 2023 عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، أصبحت تركيا منذ ذلك الحين من أشد المنتقدين الإقليميين والإسلاميين للسلطات الإسرائيلية، وقد بلغ هذا المسار الآن ذروته. وعندما تتهم تركيا السلطات الإسرائيلية بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، يرد الطرف الآخر بالإشارة إلى تاريخ تركيا، أي الإبادة الجماعية التي ارتكبها الإمبراطورية العثمانية ضد الشعب الأرمني، ليعيد بذلك مسألة الاعتراف بها إلى جدول الأعمال”.

ذكّر المحلل السياسي أرمين بيتروسيان بأن المسؤولين الإسرائيليين، ومن بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تناولوا هذه القضية باستمرار خلال السنوات الثلاث الماضية، أما الآن فقد أُقرّ على مستوى الحكومة مشروع الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية، ويجري بحث إدراجه على جدول أعمال البرلمان (الكنيست) لاعتماده كقانون.

وتابع: “يرتبط العامل الآخر بسياق أوسع. في الآونة الأخيرة نشطت العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة. تنوي واشنطن بيع مقاتلات F-35 لتركيا أو على الأقل تزويدها بمحركات لمقاتلات تركية الصنع، وهو ما يشكل مشكلة استراتيجية خطيرة لإسرائيل. فإسرائيل سعت طوال تاريخها إلى التفوق الجوي في المنطقة، وبالتالي إذا نجحت تركيا في تنفيذ هذه الصفقة، فسيكون ذلك تحدياً كبيراً لإسرائيل. ولا يُستبعد أن يكون أحد دوافع إسرائيل هو محاولة منع مثل هذا التطور”.

وبحسب بيتروسيان، هناك أيضاً عامل داخلي مرتبط بالعمليات السياسية الجارية في إسرائيل. فالبلاد تمر بمرحلة انتخابية، إذ ستُجرى الانتخابات البرلمانية في تشرين الأول أكتوبر، ولذلك تسعى الحكومة الحالية إلى بناء خطابها الانتخابي على أساس التحديات الأمنية، مع التشديد على ضرورة توحيد المجتمع لمواجهتها.

وقال: “لهذا السبب عادوا إلى استهداف الخصوم الخارجيين. فإلى جانب القضية الإيرانية، تحاول الحكومة الإسرائيلية أن تُظهر أن التحديات الأمنية القادمة من إيران، ومن حزب الله في لبنان، ومن النظام الحاكم في سوريا، والآن أيضاً من تركيا، ما زالت على جدول أعمالها. ومن أجل مواجهة خصوم متعددين، يسعى نتنياهو وحكومته إلى تركيز انتباه المجتمع على المشاكل الأمنية المستمرة”.

ورداً على الملاحظة حول ما إذا كانت إسرائيل بخطوتها تسعى إلى عرقلة عملية تطبيع العلاقات بين أرمينيا وتركيا، شدّد المحلل السياسي أرمين بيتروسيان على أن هذا الموضوع سيترك بطبيعة الحال تأثيراً معيناً على تلك العملية.

وقال: “لكن قرار إسرائيل وخطواتها تأتي حصراً في سياق العلاقات التركية–الإسرائيلية، ولا تهدف إلى التأثير على عمليات أخرى. من خلال قرارها، تريد الحكومة الإسرائيلية تصفية حساباتها مع تركيا، ولا تملك مصالح من شأنها أن تؤدي مثلاً إلى إفشال عملية التطبيع بين أرمينيا وتركيا أو إلى إثارة توتر جديد في العلاقات الأرمنية–الأذربيجانية. لا تملك إسرائيل مثل هذه الخطط البعيدة المدى، وهي مركزة حصراً على مشكلاتها الخاصة وعلى تصفية علاقاتها مع تركيا”.

وبحسب رأيه، قبل الشروع في عملية الاعتراف بالإبادة الأرمنية بدوافع صادقة، كان من الضروري على الأقل إقامة تواصل مع سلطات جمهورية أرمينيا أو إجراء بعض النقاشات مع المجتمع الأرمني في إسرائيل.

وأضاف المحلل السياسي أرمين بيتروسيان: “علاوة على ذلك، قبل بدء هذه العملية، أجرى وزير الخارجية الإسرائيلي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الأذربيجاني. أي أنهم نسقوا هذه المسألة مع أذربيجان بهدف شرحها لها، ومن ثم كبح خطواتها المحتملة أو ردودها أو محاولاتها للتدخل في القضية. لذلك لا أعتقد أن إسرائيل هنا تسعى وراء أولوية مرتبطة بأرمينيا أو بالأجندة الأرمنية، بل إن هذه الخطوة مرتبطة حصراً بمصالحها السياسية الضيقة”.

وقد وافقت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع على مشروع وزير الخارجية جدعون ساعر للاعتراف رسمياً بالإبادة الجماعية الأرمنية. وستقوم الحكومة رسمياً بإبلاغ الكنيست، وستسعى إلى طرح مسألة الاعتراف بالإبادة الأرمنية للتصويت في جلسة عامة للهيئة التشريعية.

إظهار المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى