
بحسب “أرمنبريس”، لم يكن العرض العسكري في يريفان في 28 أيار مايو 2026 مجرد فعالية احتفالية أخرى. لقد كان أول عرض واسع النطاق للمعدات العسكرية في ساحة الجمهورية منذ عام 2016، وأول عرض بعد حرب عام 2020 وانهيار النموذج الأمني السابق للبلاد. لعقود طويلة، كان القدر الأكبر من القدرات العسكرية لأرمينيا مرتبطاً بشكل شبه كامل بالتسليح الروسي، بمعايير التعليم العسكري الروسي، وبمساراته اللوجستية. لكن هذا العرض أثبت أن هذا لم يعد الركيزة الوحيدة.
اليوم، تعمل أرمينيا على تشكيل ترسانة أكثر تنوعاً، تجمع بين أسلحة وتقنيات عسكرية من إنتاج نحو سبع دول، بما في ذلك الأسلحة الحديثة الفرنسية والهندية، المعدات الروسية الموجودة، التعاون المتنامي مع الولايات المتحدة، والإنتاج العسكري الصناعي المحلي.
غير أن هذا النهج في التنويع ينطوي أيضاً على تحديات، تبدأ من اتخاذ القرارات الصحيحة عند العمل في سوق الأسلحة المفتوحة، وصولاً إلى مسألة الجمع بين أنظمة أسلحة مصنّعة في دول مختلفة وبمعايير متباينة وضمان توافقها.
تنويع المشتريات الدفاعية لأرمينيا
في عرض 28 أيار مايو العسكري، كان لافتاً تنوع الجغرافيا الخاصة بالدول المورّدة للتقنيات العسكرية.
تواصل الهند لعب دورها البارز في هذه العملية الخاصة بالتنويع. الموجة الرئيسية من المشتريات العسكرية الأرمنية–الهندية حدثت في عامي 2022–2023، حين اضطرت أرمينيا، بعد فشل أنظمة الأمن التقليدية، إلى البحث بشكل عاجل عن موردين جدد. تمكنت الهند من تقديم كل ما كانت أرمينيا بحاجة إليه: إمكانية الوصول إلى الأسلحة، أسعار تنافسية، مرونة سياسية، وإمكانات تكنولوجية متنامية.
ورغم أن التعاون مع الغرب يتوسع، فإن معظم الموردين الغربيين ما زالوا في مرحلة الانتقال من التدريب، والدعم الاستشاري، والحوار السياسي، إلى البيع المباشر للأسلحة. الاستثناء الأساسي في هذا المجال هو فرنسا.
لدور فرنسا في هذا المجال وزن خاص. رادارات GM-200، مدافع الهاوتزر ذاتية الحركة Caesar، والمركبات المدرعة Bastion ليست مجرد تحديث للتسليح، بل هي انعكاس لنموذج جديد من الشراكة الدفاعية. عبر فرنسا، تحصل أرمينيا على فرصة امتلاك أنظمة متوافقة مع معايير الناتو، وأجهزة استشعار حديثة، ووسائل مدفعية متطورة. فرنسا هي الدولة الوحيدة العضو في الناتو التي تزود أرمينيا بأسلحة قاتلة. هذا نموذج يُحتذى به، ينبغي على بقية الشركاء الغربيين دراسته إذا كانوا يريدون أن يكون تنويع أرمينيا العسكري مرتكزاً على المعايير الغربية.
لم يكن أقل أهمية أيضاً عرض الأسلحة المنتَجة محلياً، بما في ذلك أنظمة إطلاق الصواريخ المتعددة عيار 122 ملم المبنية على قاعدة المركبات المخصصة لجميع التضاريس، والطائرات المسيّرة الهجومية من نوع DEV، وغيرها من المنتجات الأرمنية. ورغم أن هذه الأنظمة قد تكون أدنى من حيث القدرات أو التعقيد مقارنةً بأسلحة القوى الكبرى، إلا أنها تثبت حدوث تحول كبير في طريقة التفكير.
هذه الحقيقة الجديدة تشمل أيضاً الولايات المتحدة، وإن كان دورها حتى الآن ذا طابع مؤسساتي أكثر منه عملي–مادي. التعاون مع الجانب الأميركي أصبح ملموساً بالفعل في مجال أنظمة الطائرات المسيّرة، خاصة بعد اقتناء طائرات V-BAT. ومع ذلك، هناك إمكانات كبيرة لتوسيع التعاون في مجال وسائل الاتصال المحمية، أجهزة الاستشعار، أنظمة المحاكاة، حلقات القيادة، ومعايير التدريب. لكن الإجراءات المعقدة للرقابة على الصادرات، إضافة إلى النهج الحذر تجاه التوازنات الحساسة في المنطقة، لا تسمح لواشنطن حتى الآن بأن تصبح من الموردين الرئيسيين للأسلحة القاتلة لأرمينيا. وهذا ما يفسر لماذا تشتري يريفان السلاح من حيث يكون العرض أكثر توفراً في الوقت الراهن.
تحديات التنويع
إن السوق المفتوحة تخلق لأرمينيا فرصاً كما تخلق مخاطر. لم تعد أرمينيا مقيدة بمورد واحد، واستراتيجية المشتريات المتنوعة تتيح ليريفان مقارنة التقنيات، التفاوض على شروط أكثر فائدة، وتجنب الاعتماد اللوجستي.
العمل في السوق المفتوحة يتطلب من الدولة قدرة جديدة: مهارة اختيار السلاح الصحيح، من البلد الصحيح، وللمهمة الصحيحة. الأنظمة الهندية، الفرنسية، الأميركية، الروسية والأرمنية تمتلك أعيرة مختلفة، أشكالاً متنوعة من الدمج، برامج تدريب، مراحل صيانة، وهياكل برمجية متباينة. يضاف إلى ذلك اختلاف الشروط السياسية، وهو تحدٍ جدي بحد ذاته أمام عملية الدمج.
يمكن توصيف هذا الوضع على النحو التالي: إذا كان البلد الذي يعتمد على مورد واحد قد يقع في حالة تبعية، فإن البلد الذي يشتري السلاح من مصادر متعددة لكنه لا يدمج هذه الأنظمة معاً، يخاطر بأن يصبح غير فعّال من الناحية التشغيلية.
السؤال الأساسي الآن هو إلى أي مدى ستنجح أرمينيا في توحيد هذه العناصر المتنوعة ضمن آلية واحدة متماسكة وفعّالة. على سبيل المثال: يجب أن يكون الرادار قادراً على نقل بيانات قابلة للاستخدام إلى مراكز القيادة ووحدات الدفاع الجوي. المعلومات الاستخباراتية المستخرجة من الطائرات المسيّرة يجب أن تنعكس بسلاسة في الصورة العامة للوضع العملياتي. المدفعية ينبغي أن تكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً برادارات مكافحة البطاريات، الطائرات المسيّرة، وسائل الاتصال المحمية، وأنظمة إدارة النيران الرقمية. أما “الكاميكازي”، فلا يكفي أن تكون موجودة في قائمة المعدات، بل يجب أن تكون مرتبطة بالاستخبارات، اكتشاف الأهداف، وقواعد الاشتباك.
هنا يصبح القطاع الدفاعي–التكنولوجي الداخلي لأرمينيا ذا أهمية استراتيجية. قد لا يكون البلد قادراً على إنتاج أنظمة كاملة، لكنه يستطيع تطوير برمجيات، أنظمة إدارة ساحة المعركة، أدوات المحاكاة، تكامل الاتصالات، أنظمة الطائرات المسيّرة، ودعم الحرب الإلكترونية. في ترسانة متنوعة، يصبح الدمج بنفس أهمية التوريد.
وهكذا، شكّل العرض العسكري في 28 أيار مايو محطة انتقالية مهمة. تنتقل أرمينيا نهائياً من بنية جيش ما بعد الحقبة السوفيتية، المتمركز حول روسيا، إلى نموذج جديد متعدد الاتجاهات قائم على التكنولوجيا.
التحدي الأساسي الآن يكمن في ما إذا كان البلد سيتمكن من تحويل تنويع الموردين إلى دمج عملي، وتحويل خيارات المشتريات إلى قدرة مؤسساتية، وجعل الظهور العلني عامل ردع موثوق.







