Topسياسة

تسريبات استخباراتية روسية تكشف خططاً لإسقاط باشينيان في الانتخابات الأرمنية المقبلة

كشفت وثائق مسرّبة نُسبت إلى أجهزة الاستخبارات الروسية عن خطط واسعة للتدخل في الانتخابات البرلمانية المقبلة في أرمينيا، بهدف إزاحة رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان من السلطة عبر مسار سياسي وانتخابي منظم.

وبحسب ما نشره فريق تحرير “كرونيكا كافكازا”، فإن مصدر التسريب هو هاتف محمول يعود إلى عنصر عامل في الاستخبارات الروسية تعرّض لاختراق إلكتروني، ما أتاح الحصول على مجموعة كبيرة من الوثائق السرية المتعلقة بالوضع السياسي الأرمني.

الوثائق تتضمن تفاصيل دقيقة عن استراتيجيات وضعتها أجهزة روسية خاصة، وتشمل حملات دعائية، وهجمات إعلامية ممنهجة ضد الحكومة الأرمنية الحالية، إضافة إلى تقييمات سياسية وأمنية معمقة للمشهد الداخلي الأرمني، وخطط تتعلق بتمويل وتنسيق واستثمار عدة أحزاب معارضة بصورة سرية.

وتبدأ المواد المسرّبة بمذكرة تحليلية تحمل عنواناً لافتاً: “بابا نويل الأرمني ضد روبن هود التركي المزيف”، حيث يستعرض معدّو الوثيقة خمسة سيناريوهات محتملة لتغيير السلطة في أرمينيا.

وبحسب التحليل الروسي، فإن أربعة من هذه السيناريوهات اعتُبرت غير واقعية أو شبه مستحيلة. فقد جرى استبعاد احتمال حدوث انقلاب داخلي على غرار ما حدث عام ١٩٩٨، أو نجاح إجراءات عزل رئيس الوزراء داخل البرلمان، بسبب ولاء المؤسسات الأمنية والعسكرية لباشينيان، وعدم وجود انقسامات داخل حزب “العقد المدني” الحاكم.

كما رأت الوثائق أن احتمالات استقالة باشينيان طوعاً أو إسقاطه عبر احتجاجات شعبية واسعة تبقى ضعيفة، ما لم يحدث تطور استثنائي كبير، مثل هجوم مباشر على الكنيسة الأرمنية أو خسائر إقليمية خطيرة.

وفي ضوء ذلك، خلص معدّو الوثيقة إلى أن الطريق الأكثر واقعية لإسقاط باشينيان يتمثل في الانتخابات البرلمانية المقررة في السابع من يونيو/حزيران.

ولتنفيذ هذا السيناريو، قسمت الوثائق المجتمع الأرمني إلى ثلاثة معسكرات رئيسية: “الأسود، الأبيض، والأحمر”.

ويمثل “المعسكر الأسود” أنصار المعارضة التقليدية المرتبطة بالرئيسين السابقين روبرت كوتشاريان وسيرج سركسيان، وقدّرت الوثائق حجمهم بنحو ١٥ بالمئة فقط.

أما “المعسكر الأبيض” فيضم أنصار باشينيان والقوى الموالية للغرب، وقدّرت نسبتهم أيضاً بنحو ١٥ بالمئة.

في المقابل، اعتبرت الوثائق أن الكتلة الأهم هي “المعسكر الأحمر”، الذي يمثل نحو ٧٠ بالمئة من المجتمع الأرمني، ويضم مواطنين يريدون رحيل باشينيان لكنهم يرفضون في الوقت نفسه عودة النخب السياسية القديمة… ووفق التحليل، فإن اهتمامات هذه الفئة تتركز على الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والأمن.

ولجذب هذه الكتلة، تراهن موسكو ـ بحسب الوثائق ـ على رجل الأعمال الأرمني الروسي سامفيل كارابيتيان، الذي وُصف داخل الخطط بأنه “إيفانيشفيلي الأرمني”، في إشارة إلى رجل الأعمال والسياسي الجورجي “بيدزينا إيفانيشفيلي”.

وتقترح الخطة أن يتم تقديم حزب كارابيتيان الجديد باعتباره “قوة ثالثة” تمثل تجديداً سياسياً، بعيداً عن السلطة الحالية والمعارضة التقليدية. ويركز البرنامج المقترح على تحسين الوضع الاجتماعي، وتشجيع الاستثمارات، وتعزيز العلاقة بين أرمينيا والشتات الأرمني، إضافة إلى إعادة بناء العلاقات الاستراتيجية مع روسيا.

وفي قسم بعنوان “ماذا يجب أن نفعل؟”، توصي الوثائق بتوحيد قوى المعارضة المختلفة تحت مظلة سياسية واحدة، مع إبقاء كارابيتيان في موقع “فوق حزبي” يؤدي دور الوسيط الجامع بين التيارات المعارضة.

كما تقترح الخطط منح قادة الأحزاب الأخرى وعوداً بمناصب في الحكومة المقبلة بعد إزاحة باشينيان، بهدف تعزيز التماسك داخل التحالف.

ولإضفاء بعد ديني ورمزي على المشروع، أوصت الوثائق بتعزيز صورة كارابيتيان من خلال التحالف مع “رئيس الأساقفة المسجون ميكائيل”، لإظهار ما وصفته بـ”وحدة قوية بين القيادة الروحية والقيادة المدنية”.

وتتضمن الخطط أيضاً إنشاء شبكة تنظيمية واسعة داخل أرمينيا، تشمل نحو مئة خلية سياسية موزعة على أحياء يريفان والمدن الرئيسية والبلدات والقرى الكبيرة.

وفي الوقت نفسه، تتوقع الوثائق أن تحاول السلطات الأرمنية إبقاء كارابيتيان في السجن ومنع تسجيل حزبه رسمياً، لذلك وضعت موسكو خطة بديلة تقوم على تأسيس حزب جماهيري معتدل تحت اسم “الوطن الأم”.

كما تتحدث الوثائق عن دمج حزب أرمينيا المزدهرة بزعامة غاغيك تساروكيان ضمن هذا التحالف الكبير، باعتبار أن مشاركته ستمنح المشروع قيمة إضافية.

ولمنح التحالف صورة أكثر قبولاً لدى الرأي العام، تقترح الخطط إنشاء “منصة مدنية” تبدو مستقلة، تضم حقوقيين وصحفيين ومحللين سياسيين وشخصيات غير حزبية، تحت شعار الدفاع عن الكنيسة والحقوق الدستورية والسجناء السياسيين.

وتؤكد الوثائق أن القوى الأربع الأساسية ـ حزب كارابيتيان، وتحالف “الوطن الأم”، وحزب “أرمينيا المزدهرة”، والمنصة المدنية ـ يجب أن تعمل جميعها تحت قيادة سياسية موحدة.

كما تشير الوثائق إلى أن أول اختبار عملي لهذا التحالف كان مخططاً له في مدينة إتشميادزين، باعتبارها المركز الروحي للبلاد، تحت عنوان: انتخابات إتشميادزين: الاختبار الأول للمعارضة.

وفي جزء آخر من التسريبات، تناول معدّو الخطط حالة الانقسام داخل المعارضة التقليدية، مؤكدين وجود خلافات عميقة بين معسكري كوتشاريان وسركسيان.

وبحسب الوثائق، تعتبر الاستراتيجية الروسية أن سركسيان يمثل “العنصر الأكثر تخريباً” داخل المعارضة، لأنه يحاول إضعاف كوتشاريان وإعادة شخصيات مرتبطة به إلى الواجهة السياسية.

وتشير الخطط إلى أن موسكو تعتزم انتظار نجاح التحالف الجديد والاحتجاجات الشعبية، قبل وضع كوتشاريان وسركسيان أمام خيارين: إما الاعتراف بقيادة كارابيتيان والانضمام إلى التحالف الواسع، أو البقاء خارج المشهد السياسي.

وفي ختام الوثائق، تؤكد الخطة أن جوهر الحملة الانتخابية يجب أن يقوم على “مواجهة تنظيمية مباشرة” وفق مبدأ “هرم مقابل هرم”، في إشارة إلى بناء ماكينة سياسية وتنظيمية قادرة على منافسة بنية حزب السلطة الحاكم.

إظهار المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى