
شهدت العلاقات بين أرمينيا والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، إذ لم يقتصر الأمر على توقيع ميثاق الشراكة الاستراتيجية، بل تجاوز ذلك إلى مرحلة أعمق من التعاون غير المسبوق. وفي الوقت نفسه، تضع واشنطن في صلب أولوياتها تثبيت السلام بين أرمينيا وأذربيجان.
هذا ما أكده المحلل السياسي ورئيس منظمة المجلس الأرمني غير الحكومية، أريغ كوتشينيان، في معرض حديثه عن نتائج زيارة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى أرمينيا، وكذلك عن نتائج اللقاء الذي جمع قيادتي أرمينيا وأذربيجان في أبوظبي.
وقال كوتشينيان إن جميع القضايا التي نشأت بين يريفان وواشنطن خلال السنوات الماضية يتم بحثها بشكل متواصل، وهو ما يشكّل العامل الأهم في تطوير العلاقات الثنائية. وأضاف أن مجالات تعاون جديدة تتوسع باستمرار، ومن بينها التعاون العسكري التقني، بما في ذلك نقل أسلحة متطورة. كما أشار إلى أن مشروع «TRIPP» يعد دليلاً واضحاً على دعم الولايات المتحدة وانخراطها المباشر، مؤكداً أن تصريحات البيت الأبيض حول زيارة فانس تعكس هذه الأولوية.
وشدّد كوتشينيان على أهمية مذكرتي التفاهم الموقعتين بين أرمينيا والولايات المتحدة، حيث تتعلق إحداهما بالتعاون في مجال أمن الطاقة، فيما تركز الأخرى على الشراكة الابتكارية في مجالي الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
واعتبر أن إحراز تقدم في مشروع إنشاء محطة نووية معيارية في أرمينيا يمثل خطوة إيجابية، خاصة مع التوصل إلى تفاهمات أولية، إلى جانب توقع تدفقات استثمارية كبيرة في قطاع تكنولوجيا المعلومات.
من جهته، أكد المحلل السياسي روبرت غيفونديان أن أرمينيا أمام فرص جديدة، مشيراً إلى أنه كان من الصعب قبل سنوات تخيّل مستوى التعاون الحالي بين يريفان وواشنطن. وأوضح أن الولايات المتحدة تمتلك اليوم أكثر التقنيات تقدماً عالمياً، ما يضع أرمينيا في موقع مستفيد استراتيجياً من هذا التعاون.
وفيما يخص مشروع «TRIPP» أوضح غيفونديان أنه يتيح ربط جزأي أذربيجان ببعضهما مع الحفاظ على المبادئ الخمسة الأساسية التي اعتبرتها أرمينيا خطوطاً حمراء… ووصف زيارة نائب الرئيس الأمريكي إلى أرمينيا بأنها تاريخية، ليس فقط من حيث رمزيتها، بل أيضاً من حيث مرحلة تطوير العلاقات الثنائية، مؤكداً أن وتيرة التعاون الحالية غير مسبوقة.
بدوره، أشار المحلل السياسي سامفيل ميليكسيتيان إلى أن زيارة نائب الرئيس الأمريكي تعكس انخراط الإدارة الأمريكية الجديدة بشكل نشط في عملية تسوية العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان، إضافة إلى اهتمامها الجدي بتعزيز العلاقات الثنائية مع أرمينيا.
وأوضح أن الإدارة الأمريكية تبدي إرادة حقيقية لحل القضايا القائمة في مجالات أشباه الموصلات والطاقة النووية والتعاون العسكري التقني، وتسعى إلى تسريع وتيرة التعاون.. وأضاف أن بناء مفاعل نووي معياري جديد يعتمد على تقنيات متقدمة، ما يجعل هذه المفاعلات أكثر أماناً بشكل ملحوظ، ويوفر ضمانات تعاون طويلة الأمد، كما يتيح لأرمينيا الوصول إلى سوق الوقود النووي الأمريكي في حالات الطوارئ.
وأشار ميليكسيتيان إلى أن مشروع «TRIPP» يسمح بنقل جزء من إدارة المخاطر إلى الولايات المتحدة، ما يوفر ضمانات أمنية ويجذب الاستثمارات، إضافة إلى تعزيز الترابط الإقليمي في مجالات النقل والطاقة.
كما تناول الخبراء نتائج لقاء قيادتي أرمينيا وأذربيجان في أبوظبي. حيث أوضح كوتشينيان أن المفاوضات ركزت بشكل أساسي على تطوير التعاون المستقبلي، خصوصاً في مجالي نقل البضائع والتعاون في قطاع الطاقة عبر ربط الأنظمة ذات الصلة، إضافة إلى استيراد البنزين والديزل إلى أرمينيا.
وأكد أن تنويع العلاقات الاقتصادية يمثل مصلحة مباشرة لأرمينيا، مشدداً على أن الهدف ليس الوقوع في الاعتماد الكامل على أذربيجان، بل توسيع شبكة الشراكات. كما أشار إلى أن أرمينيا تعد دولة مصدّرة للكهرباء، وأن الطاقة النووية باتت المجال الذي يتجسد فيه التعاون الأرميني– الأمريكي بشكل عملي.
من جانبه، أوضح غيفونديان أن أرمينيا تسعى، عبر التكنولوجيا الأمريكية والتعاون الإقليمي، إلى إعادة تشكيل قدراتها في قطاع الطاقة، وهو ما يعكس توجهاً نحو التنمية… واعتبر أن لقاء أبوظبي كان فعالاً في هذا السياق.
وأضاف أنه في حال استمرار التعاون الإقليمي بالوتيرة نفسها، فإن أرمينيا ستتمكن من تنويع قطاع الطاقة وتحقيق نتائج ملموسة. كما أشار إلى أن مشروع «TRIPP» قد يتحول في مرحلته الأولى إلى نموذج مهم للتعاون الدولي، يمكن أن يُحتذى به في مناطق أخرى شهدت نزاعات.
وفي السياق ذاته، أشار ميليكسيتيان إلى أن الولايات المتحدة مهتمة بتصدير موارد متنوعة من آسيا الوسطى عبر أذربيجان وأرمينيا، ما يستلزم إنشاء بنى تحتية جديدة تمر عبر أراضي البلدين.
وأكد أن هذا التطور سيغير بشكل جوهري دور أرمينيا الجغرافي، إذ بعد أن كانت طرق الاتصال تمر سابقاً عبر الشمال، فإنها ستشمل مستقبلاً أراضي أرمينيا وأذربيجان، ما يمنح أرمينيا فرصة للتحول إلى دولة عبور والحصول على موارد من مصادر جديدة، الأمر الذي سيجذب الاستثمارات ويدعم التنمية الاقتصادية طويلة المدى.







