Topتحليلاتسياسة

ترامب يتحدث مجدداً عن السلام بين أرمينيا وأذربيجان

صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجدداً بأن السلام بين أرمينيا وأذربيجان بات وشيكاً، معتبراً أنه تم تسوية النزاع بالفعل، وأن هذا الإنجاز يمكن أن يُضاف إلى سجل نجاحاته الدبلوماسية الخارجية. في المقابل، لا تزال الجهات الأرمنية تتحدث عن فكرة توقيع أولي على معاهدة السلام، مما يشير إلى أن المفاوضات لم تصل بعد إلى نهايتها الرسمية.

قامت مجلة فوربس (Forbes ) الأمريكية بتحليل سيناريو أمريكي جديد يتعلق بممر بطول 43 كيلومتراً يمر عبر منطقة سيونيك في جنوب أرمينيا. يسعى التحليل لفهم قيمة تشغيل هذا الطريق بالنسبة للاعبين الدوليين الكبار، في حال تم تنفيذ الاقتراح الأمريكي الأخير.

أشار ترامب إلى أنه قد يكون على وشك الإعلان عن المرحلة الأخيرة من المفاوضات بين أرمينيا وأذربيجان.

خلال مأدبة عشاء مع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، استعرض رئيس البيت الأبيض نجاحات السياسة الخارجية الأمريكية، وعدّد، حسب تقييمه الشخصي، الإنجازات الدبلوماسية الخارجية خلال فترة رئاسته، ومن بينها العلاقات الأرمنية – الأذربيجانية التي أشار إليها بشكل موجز وعابر. يعتبر ترامب أن معجزة قد تحققت في أرمينيا وأذربيجان. وقد أعلن أن عملية توقيع معاهدة السلام قد انتهت تقريباً، إن لم تكن قد أُنجزت بالفعل.

لا تزال هناك خلافات في الأوساط الحكومية والمعارضة والخبراء في أرمينيا بشأن هذه المسألة. وفي مؤتمره الصحفي في 16 تموز يوليو، تحدث رئيس وزراء أرمينيا عن إمكانية التوقيع الأولي على المعاهدة.

“نعم، هناك مثل هذه الفكرة أيضاً. لقد بدأنا المشاورات: حسناً، كيف نمضي قدماً؟ ما هو خارطة الطريق الممكنة؟ وفكرة التوقيع الأولي هي إحدى الخيارات الموجودة في “قائمة النقاش”، لكنها ليست الوحيدة. يمكن أن تكون مقبولة في ظروف معينة، واقعية في ظروف معينة، وغير واقعية في ظروف أخرى”.

قال مدير مركز أبحاث السياسات الأمنية أريك كوتشينيان أن التوقيع الأولي على وثيقة بين الدول يفترض وجود إمكانيات دبلوماسية محددة.

“أثناء التوقيع الأولي، يتم تثبيت أن المعاهدة التي يتم توقيعها أولياً لا تخضع للتعديل. في الوقت الحالي، لدينا في الأساس إعلان شفهي بأن النص قد تم الاتفاق عليه. هذا التوقيع يُعتبر بالفعل فئة قانونية معينة تُثبت أن النص قد تم الاتفاق عليه. نظرياً، هذا يعني أيضاً أن النص يمكن نشره.”

ومع ذلك، يرى الخبير السياسي أن “الاحتمالات” التي أشار إليها رئيس الوزراء بشأن التوقيع الأولي يجب أن تُدرس بشكل منفصل. وهو يفترض أن “الاحتمالات” من الجانب الأرمني مرتبطة بتثبيت آليات أمنية ومراقبة حدودية، بينما “الاحتمالات” من الجانب الأذربيجاني قد تكون شرط حل مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

إلى جانب التوقيع الأولي على معاهدة السلام بين أرمينيا وأذربيجان، اكتسبت مناقشات فتح الطريق عبر سيونيك وفك الحصار عن الاتصالات زخماً جديداً. وقد تناولت مجلة فوربس الأمريكية هذا الموضوع في مقال خاص، متطرقة إلى السيناريوهات والمخاطر المحتملة، ومن بينها احتمال أن تؤدي النوايا المتعلقة بهذا الطريق إلى إشعال حرب باردة جديدة في المنطقة.

مؤلف المقال المنشور في فوربس، غيونيل يلديز، وهو تركي الجنسية ومتخصص في مجال الطاقة، ويُكمل حالياً دراسته لنيل درجة الدكتوراه في جامعة كامبريدج، عنون مقاله بـ: “رهانات أمريكا العالية على زانغيزور: كيف يمكن لممر تقوده الولايات المتحدة أن يقلل من تكاليف الطاقة في أوروبا ويواجه روسيا”.

ناقش الكاتب فكرة اندلاع حرب باردة جديدة في الفقرة الأولى من المقال، حيث كتب: “الولايات المتحدة وجدت نفسها في قلب لعبة دبلوماسية عالية المخاطر قد تغيّر جذرياً تدفقات الطاقة عبر أوراسيا، وقد يؤدي اقتراحها الطموح بشأن ممر زانغيزور إلى إشعال نقطة ساخنة جديدة في الحرب الباردة في منطقة القوقاز.”

السياق السياسي لموضوع الطريق ليس سراً، وقد تحدث المحللون الأرمن عنه مراراً. وفي مقابلة مع “راديولور”، أشار المحلل السياسي هاكوب باداليان قائلاً: “في هذه القضية، هناك عدة مراكز جيوسياسية “مستفيدة”، ولكل منها نهج متناقض، وجميعها تمتلك القدرة على دفع وجهات نظرها إلى الأمام أو عرقلة وجهات نظر الآخرين. في ظل هذه الظروف، من الصعب جداً القول ما إذا كان من الممكن التوصل إلى أي اتفاق واضح. بالنسبة ليريفان، أعتقد أن المشكلة تكمن في التالي: بالنظر إلى التعقيد والتشابك المتناقض في مسألة الطرق من الناحية الجيوسياسية، يجب عدم السماح بتفاقم الطريق المسدود، لأنه إذا تعمق الطريق المسدود، فستتراكم التوترات بلا شك، مما يزيد من مخاطر التصعيد العسكري. من جهة، يجب عدم السماح بتفاقم الطريق المسدود، والتموضع ضمن منطق البناء والتعاون، ومن جهة أخرى، يجب بالطبع حماية مصالح أرمينيا إلى أقصى حد، أي عدم السماح بتقديم تنازلات أحادية الجانب”.

أكد باشينيان رغبة وسعي أرمينيا لأن تصبح دولة عبور في المنطقة بكل المعاني. وبالإضافة إلى الحسابات المتعلقة بالفوائد التي قد تجنيها أرمينيا، هناك أيضاً تقديرات أخرى وردت في مقال مجلة “فوربس”.

وفقاً للتقديرات المقدمة، والتي تستند إلى تقييمات عالمية، فإن الممر أو الطريق، كما تصفه الجهات الأرمنية، يمكن أن يصل حجم التجارة السنوي عبره إلى 50–100 مليار دولار بحلول عام 2027، وذلك بفضل تحسن كبير في الخدمات اللوجستية. وتشير بيانات بلومبرغ لشهر أيار مايو 2025 إلى أن هذا المسار يمكن أن يقلل زمن العبور بين أوروبا وآسيا بمقدار 12–15 يوماً مقارنة بالطرق الحالية.

وكتبت مجلة “فوربس” أنه في حال تشغيل الطريق، يبدو أن عائد الاستثمار مقنع، وتابعت: “مركز السياسات في بحر قزوين يقدّر تكاليف البنية التحتية خلال فترة 5–10 سنوات بـ3–5 مليارات دولار، بينما تتوقع نماذج “أوكسفورد إيكونوميكس” توفيراً سنوياً يتراوح بين 20–30 مليار دولار في قطاع اللوجستيات”.

وفقاً للمقال، تكمن المشكلة الأساسية في المواقف “غير القابلة للتوفيق”: تطالب أذربيجان بممر غير خاضع للرقابة، بينما ترفض أرمينيا بشكل قاطع التنازل عن سيادتها. اقتراح الولايات المتحدة بشأن ما يسمى بـ”الاستئجار” يُقيّمه المقال على أنه محاولة إبداعية للخروج من هذا الطريق المسدود، من خلال استخدام الأطر القانونية-الشركاتية، بحيث يُقدّم لباكو ضمانات أمنية، وفي الوقت نفسه يُتيح ليريفان الحفاظ على سيادتها.

لا يغفل كاتب مقال “فوربس” الانتقادات، مشيراً إلى التحذيرات من المخاطر المحتملة على المدى الطويل.

هناك التقديرات التالية: قد تواجه إيران احتمال فقدان 20–30٪ من دورها كدولة عبور، مما قد يؤثر على طرقها التجارية الحيوية. قد تخسر روسيا خلال عقد من الزمن 10–20 مليار دولار من الإيرادات، بالإضافة إلى انخفاض تأثيرها في أسواق الطاقة الأوروبية بنسبة 10–15٪.

في المقابل، الصين تتوقع حتى عام 2030 زيادة فعالية مبادرة “الحزام والطريق” بمقدار 20–30 مليار دولار بفضل تحسين الروابط النقلية، لكنها تحتاج إلى موازنة هذه المكاسب مع خطر انخفاض الاعتماد على المسارات التي تسيطر عليها الصين. قد يحوّل الممر تركيا إلى مركز طاقة للدول الناطقة بالتركية، مما يعني أن تركيا قد تحقق دخلاً سنوياً يتراوح بين 10–15 مليار دولار من العبور بحلول عام 2030.

وفي النهاية، يعتمد نجاح المشروع على ما إذا كانت الابتكارات الدبلوماسية الأمريكية قادرة على إعادة تشكيل النظام العالمي.

إظهار المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى