Topاقتصادتحليلات

خبير في الشؤون الاقتصادية: يمكن أن تستفيد أرمينيا من إعادة تشكيل المسارات الجوية وتصبح مركزاً صغيراً للعبور

لقد بدأ تأثير المواجهة العسكرية المستمرة منذ أكثر من شهر في الشرق الأوسط وفي إيران يظهر بالفعل في الاقتصاد الأرميني، ويتجلى ذلك ليس فقط في بعض المشاكل المحددة، بل أيضاً في فرص جديدة تتشكل، مع احتوائها بطبيعة الحال على مخاطر محتملة. حول هذه الآفاق الملحوظة و”العوائق الخفية” الاقتصادية، أجرت وكالة “أرمنبرس” مقابلة مع الخبير في الشؤون الاقتصادية وخبير مركز الأبحاث “أمبرد” أغاسي تافاديان.

– هل يمكن للوضع السائد في المنطقة أن يتيح فرصاً جديدة لتطوير الاقتصاد الأرميني؟

– إن تأثير النزاع على الاقتصاد الأرميني أصبح ملحوظاً بالفعل، حيث يتم جلب رؤوس أموال كبيرة إلى بلادنا. لقد شهدنا وضعاً مشابهاً في عام 2022، فعقب اندلاع النزاع الروسي–الأوكراني، تدفق حجم كبير من رؤوس الأموال من روسيا إلى أرمينيا. ووفقاً لذلك، فإن النمو الاقتصادي المسجل بنسبة 12.6% في عام 2022 كان نصفه تقريباً مؤمَّناً من خلال القطاع المالي أو المصرفي وقطاع تكنولوجيا المعلومات، وهو ما كان مرتبطاً بشكل مباشر بالعقوبات المفروضة على روسيا، والتي أدت إلى تدفق رؤوس الأموال من ذلك البلد إلى أرمينيا، إضافة إلى هجرة العاملين في قطاع تكنولوجيا المعلومات (الريلوكانتس).

الآن الصورة مختلفة قليلاً. لدينا تدفق لرؤوس الأموال ليس من اتجاه واحد فقط، بل من ثلاثة اتجاهات مختلفة.  مازال التدفق من روسيا مستمراً، لكنه انخفض حجمه مقارنة بعام 2022. وقد ظهرت موجتان جديدتان: بدأ تدفق كبير لرؤوس الأموال من إيران منذ أيلول سبتمبر 2025، أي منذ لحظة إخراج العملة من ذلك البلد. ووصل جزء كبير منها إلى جمهورية أرمينيا، ونتيجة لذلك ارتفع النمو الاقتصادي في بلادنا من 5.2% المتوقع إلى 7.2% بنهاية العام.

هناك أيضاً حجم معين من رؤوس الأموال يصل إلى أرمينيا من دول الخليج، وخاصة من الإمارات العربية المتحدة، حيث يتم بيع رؤوس الأموال هناك بأسعار منخفضة وتحويلها إلى هونغ كونغ، وجزء منها يصل إلى أرمينيا.

– هل يمكن أن يمنح هذا التدفق الاقتصادي نفساً جديداً للاقتصاد الأرميني، لكنه أيضاً يخلق بعض المخاطر. ما هي التطورات المتوقعة في هذه الحالة؟

– إن زيادة كمية الدولار في أرمينيا تؤثر وستؤثر بطبيعة الحال على سعر صرف الدرام الأرمني. من المحتمل أن يقوى الدرام الأرمني في الفترة المقبلة. حالياً يحاول البنك المركزي “تعقيم” هذا التدفق الكبير من الأموال (ملاحظة: هذا مصطلح اقتصادي يُستخدم من قبل البنوك المركزية للتحكم في حجم الكتلة النقدية المتداولة، ويهدف إلى تحييد تأثير تغييرات احتياطيات النقد الأجنبي على الكتلة النقدية الداخلية).

هذا التدفق لرؤوس الأموال يخلق فرصاً للاقتصاد الوطني، ويمكن أن ينعش بشكل رئيسي قطاع البناء، الذي كان قد “تجمد” إلى حد ما في عام 2025.

تتيح الوضعية الراهنة فرصة لأرمينيا أيضاً، إذ إن دبي، التي تُعد مركزاً رئيسياً للنقل الجوي الدولي، بدأت تدريجياً تفقد موقعها. حالياً، يخسر الناقلون الجويون في دول الخليج نحو مليار دولار أسبوعياً بسبب إلغاء الرحلات. في هذه اللحظة، يمر المسار الجوي الوحيد الموثوق بين أوروبا وآسيا عبر جنوب القوقاز، أساساً عبر جورجيا وأذربيجان، وبدرجة أقل عبر أرمينيا. حتى عام 2022، كانت أوروبا وآسيا ترتبطان أساساً عبر “الجسر الجوي” الذي يمر فوق سماء سيبيريا، لكن روسيا أبقت مجالها الجوي مغلقاً أمام شركات الطيران الأوروبية منذ أربع سنوات. هذه الأخيرة اضطرت إلى تنفيذ رحلاتها عبر الشرق الأوسط، لكن هذا المسار أيضاً أغلق الآن، ليحل محله المسار الجنوبي القوقازي. وقد ارتفع عدد الرحلات اليومية عبر المجال الجوي لجورجيا وأذربيجان بنحو 50 مرة.

– برأيكم، لماذا المجال الجوي الأرميني أقل جاذبية؟

– أولاً، بسبب المشاكل الحدودية ليس فقط البرية بل أيضاً الجوية مع تركيا وأذربيجان. إضافة إلى ذلك، فإن المسار الآخر أكثر ملاءمة، إذ تدخل الطائرات مباشرة المجال الجوي لجورجيا عبر البحر الأسود، ثم تواصل رحلتها عبر أذربيجان وبحر قزوين نحو وجهتها. وكلما قلّ عدد الدول التي تعبرها الطائرة، كان ذلك أكثر جدوى اقتصادياً للرحلة. لا تدخل أرمينيا في هذا الحساب.

على أي حال، من المرجح أن دبي ستتخلى عن موقعها كمركز جوي إقليمي رئيسي لصالح إسطنبول. ويمكن لأرمينيا أن تستفيد من إعادة تشكيل المسارات الجوية وأن تصبح لاحقاً مركزاً صغيراً للعبور. هذه الإمكانية واقعية تماماً، وقد تساهم أيضاً في تطوير السياحة في أرمينيا. لكن هنا، بطبيعة الحال، توجد أيضاً مخاطر.

– ما الموضوع الذي تشيرون إليه على وجه التحديد؟

– الآن يحدث في أرمينيا إعادة تموضع لرؤوس الأموال. وفقاً لمعلوماتي، كثير من الأعمال (خاصة المرتبطة بالتجارة) تقف على حافة الإفلاس أو تفلس بالفعل. الحديث هنا عن خسائر بملايين الدرام.

المخاطر قائمة، لأن هناك تشابهات جدية مع أوضاع عامي 2002 و2008. انظروا: في عام 2002، حين كان سعر الدولار الواحد 560 دراماً، أدى التدفق الكبير للعملة إلى انخفاض سعر الصرف حتى 300 درام. في تلك الفترة شهدنا أيضاً نمواً كبيراً في قطاع البناء (مثل بناء شارع الشمال) وارتفاع أسعار الشقق بما يقارب عشرة أضعاف.

الآن الوضع مشابه. التدفق الكبير لرؤوس الأموال يخلق أرضية خصبة، بحيث إذا خرج الوضع فجأة عن السيطرة ولم يتمكن البنك المركزي من “تعقيم” هذه الأموال، فقد ينهار الدرام الأرمني بشكل مفاجئ خلال يوم أو يومين، كما حدث في عامي 2008 و2014.

– لكن التدفق الكبير للعملة الأجنبية يجب منطقياً أن يؤدي إلى فائض في الدولار، وبالتالي يقلل الطلب عليه ويؤدي إلى تقوية الدرام الأرمني.

– في الوقت الحالي، الدولار بطبيعة الحال سيتراجع، بينما سيقوى الدرام الأرمني، إذ يمكن أن يصل سعر الصرف إلى 360–365 دراماً للدولار الواحد. 

في الواقع، السوق الآن يعمل بعكس المنطق؛ إذ يُبذل جهد لشراء أكبر قدر ممكن من الدولار، بسبب شعور مسبق بأن وضعاً طارئاً قد يحدث قريباً أو أن الدرام قد يتعرض لانخفاض مفاجئ. على الأرجح سيستمر “الزنبرك” الخاص بسعر الصرف في الانضغاط، مما سيؤدي إلى تقوية الدرام الأرمني. لكن هناك دائماً خطر أن ينفتح هذا الزنبرك المضغوط بشكل مفاجئ، وعندها قد لا نشهد فقط انخفاضاً في قيمة العملة، بل أيضاً ركوداً اقتصادياً. ركود من النوع الذي سيكون من المستحيل العودة منه إلى المستوى السابق خلال 4–5 سنوات مقبلة.

– هل يمكن أن تصبح أرمينيا جذابة ليس فقط لرؤوس الأموال المالية، بل أيضاً للشركات الكبرى الساعية للانتقال من منطقة الخليج؟

– يمكن ذلك، لكن الاحتمال الأكبر هو دخول شركات عاملة في دبي إلى السوق الأرمنية، وليس تلك الموجودة في إيران. الأشخاص الذين يعيشون ويعملون في الإمارات العربية المتحدة هم في الغالب رجال أعمال أثرياء وراسخون، لكنهم لم يرتبطوا عاطفياً بذلك المكان، ويمكنهم بسهولة بيع رؤوس أموالهم وممتلكاتهم والانتقال إلى دول أكثر أماناً. بعضهم قد يجد نفسه بالفعل في أرمينيا.

إظهار المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى