
موضوع فك الحصار عن جنوب القوقاز، والجهود النشطة خاصة في اتجاه تنفيذ برنامج TRIPP، يوجه تدريجياً انتباه المجتمع إلى حالة شبكة السكك الحديدية والمشكلات المحتملة في استغلالها الواسع النطاق. وبينما تستعجل أرمينيا في تهيئة أراضيها لفك الحصار، أصبح معروفاً أن مدير الامتياز لشبكة السكك الحديدية القائمة يواجه مشاكل مالية كبيرة.
بعبارة بسيطة، شركة “السكك الحديدية الروسية” تقف على حافة الإفلاس، في حين أن السكك الحديدية الأرمنية منذ عام 2008 قد نُقلت إلى إدارة امتيازية تابعة لهذه الشركة.
بالنسبة لأرمينيا، فإن خبر الصعوبات المالية لشركة “السكك الحديدية الروسية” مهم لأن هذه الشركة نفسها هي التي تولت حتى عام 2038 إدارة امتياز “السكك الحديدية الأرمنية” عبر شركتها الفرعية “سكك حديد جنوب القوقاز”. وإذا وصفنا الوضع بشكل تصويري: فإن قاطرة “السكك الحديدية الروسية” تقود الشركة بسرعة نحو الإفلاس.
ظهرت فجأة معلومات عن المشاكل المالية لإحدى أكبر شركات السكك الحديدية في العالم. فضّلت روسيا الصمت بشأن صعوبات شركتها الحكومية. أما الآن فقد أصبح الأمر حقيقة مؤكدة: لدى “السكك الحديدية الروسية” ديون تزيد عن 4 تريليونات روبل أو 50 مليار دولار، تقلّص عدد موظفيها، وتعرض للبيع ناطحة سحاب تابعة لها في وسط موسكو، وتنتظر مساعدة عاجلة من الدولة بحوالي 2 مليار دولار. البلد الذي يعيش حالة حرب يبحث عن طرق لإنقاذ شركته المدارة. لكن المحللين الروس يعتبرون هذه الطرق غير فعالة وعديمة الجدوى.
قال النائب السابق في مجلس الدوما نيكولاي بوندارينكو قبل شهرين معلومات مؤكدة:
“لا تملك الشركة المال لشراء السكك والعربات والقاطرات، وقد قلّصت نفقات الإصلاحات الرأسمالية.
وهذا في وقت تعتبر فيه يريفان الرسمية أن مسألة إصلاح وتجديد بعض أقسام السكك الحديدية داخل أرمينيا قد نضجت، وتقدّم مطلباً لموسكو. قبل نحو 20 يوماً، قال رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان مباشرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سانت بطرسبورغ إن هذا ما تتطلبه التطورات الجارية في المنطقة.
هل كان زعيم روسيا صادقاً واعترف بمشاكل الشركة الروسية؟ غير معروف. أما رئيس وزراء أرمينيا فقد قدّم له اقتراحاً آخر:
“نحن نأمل أن ينفذ شركاؤنا في روسيا هذه الأعمال في أسرع وقت ممكن، وإذا ظهر فجأة أي عائق أو أي مسألة أخرى مرتبطة بذلك، فقد عبّرت أيضاً عن استعدادنا لأن تتراجع حكومة أرمينيا عن الامتياز”.
إلى جانب فرضية الوضع الحربي كسبب للمشاكل المالية لشركة “السكك الحديدية الروسية”، يتم تداول عامل الفساد بنشاط أيضاً. على الأقل هناك حقيقة صارخة مؤكدة يتحدث عنها النائب السابق في مجلس الدوما نيكولاي بوندارينكو.
يؤكد السياسي الروسي أن السرقات داخل الشركة تصل إلى مليارات الروبلات. وقد اعترف المستشار السابق لرئيس الشركة بأنه اختلس مليار روبل واحد.
لا يبدي المحللون الاقتصاديون الروس تفاؤلاً بشأن مستقبل شركة “السكك الحديدية الروسية”. يوري مارتشينكو، على سبيل المثال، يستشهد حتى بكلمات وزير الاقتصاد الروسي ويؤكد أن الديون تخنق الشركة.
تعقد الحكومة الروسية اجتماعات خاصة بهذا الموضوع وتطرح حلولاً. لكن المحلل الاقتصادي مكسيم بلانت لا يؤمن بفعاليتها، إذ يقوم بتحليل الاقتراحات نقطةً نقطة ويبرر لماذا جميع الحلول سيئة.
في الساحة التحليلية الأرمنية، هناك قناعة بأن حكومة أرمينيا كانت على دراية جيدة بالوضع القائم في “السكك الحديدية الروسية”، عندما قدّم رئيس الوزراء الاقتراح المناسب إلى الرئيس الروسي.
يؤكد رئيس مكتب رئيس وزراء أرمينيا أراييك هاروتيونيان أن يريفان صادقة مع موسكو في هذا الموضوع، ومن كلامه يتضح أن هذه المحادثة لم تبدأ بين أرمينيا وروسيا قبل 20 يوماً في سانت بطرسبورغ.
“في هذا الموضوع، ذهبت أرمينيا إلى روسيا، أو جاء شركاؤنا الروس إلى أرمينيا، وقلنا لهم إن لدينا هنا مصالح حيوية. من أجل جعل فك الحصار عن جمهورية أرمينيا مؤسسياً، من الضروري أن تُعاد البنى التحتية بسرعة. نطلب اتخاذ خطوات عاجلة لإعادة تأهيل تلك المقاطع. نحن نثير أسئلة، ويجب أن نحلها في إطار هذه العلاقات”.
في هذه الحالة، أحد خيارات حل المسألة هو مراجعة أو إنهاء عقد الإدارة بالامتياز. وتشير الوثائق إلى أن العقد يمكن إنهاؤه في أي وقت قبل انتهاء مدته، عبر توقيع اتفاق مناسب.
قام “راديولور” بدراسة العقد المبرم بين أرمينيا و”سكك حديد جنوب القوقاز” وتبيّن أن في حال إنهائه المبكر هناك التزامات محددة للطرفين.
إذا تم فسخ العقد من جانب المانح، أي بمبادرة من حكومة جمهورية أرمينيا، فعليها أن تدفع لشركة “سكك حديد جنوب القوقاز” الفرق بين مجموع الاستثمارات المنفذة في البنى التحتية ومجموع الأرباح المحققة حتى تاريخ فسخ العقد، بشرط أن يكون الممنوح قد نفّذ التزاماته المنصوص عليها في العقد. أما في حال الفسخ المبكر بالاتفاق المتبادل، فإن النتائج تُحدد وفق تقدير الطرفين.
هناك بند لافت في العقد أيضاً، وبموجبه يمكن للطرفين من حين لآخر التوصل إلى اتفاق خطي بشأن إضافة أي بند، أو استبداله، أو اعتباره لاغياً، أو تعديله.
كما أبلغت شركة “سكك حديد جنوب القوقاز” “راديولور” أن السكك الحديدية الأرمنية قد أُعطيت للإدارة الامتيازية الروسية، لكنها تبقى ملكاً لجمهورية أرمينيا، وبالتالي، وبناءً على رغبة أرمينيا، يمكن إعادة إدارة بعض ممتلكات السكك الحديدية إلى الحكومة الأرمينية.
وأكدت الشركة أنه إذا اتخذت الحكومة مثل هذا القرار، فإنه نظراً لمرونة إدارة الممتلكات يمكن في الوقت نفسه إعادة التفاوض حول عقد الامتياز واختيار مقاربات جديدة، إذ لا توجد بنود في العقد تحد من ذلك.
تجدر الإشارة إلى أن الصحافة الأرمنية كتبت في سنوات مختلفة، بدءاً من عام 2015، عن تجاوزات شركة “سكك حديد جنوب القوقاز”، حيث كُشف عن حالات اختلاس وأعمال غير فعالة.







