
خلال حديثه مع وكالة “أرمنبريس”، تطرق المحلل السياسي غاريك كيريان بشكل مفصل إلى مسألة الاعتراف المحتمل بدولة فلسطين، خاصة في سياق التطورات الجيوسياسية الأخيرة. وأشار المحلل السياسي إلى أنه يعتقد أن الاعتراف الشامل بدولة فلسطين سيحدث على الأرجح عندما تقترب مواقف المراكز الجيوسياسية من بعضها، بينما في هذه المرحلة هناك تناقضات أكثر من نقاط التوافق.
وأكد المحلل السياسي أنه لفهم الواقع المعاصر بعمق، من الضروري النظر إلى القوانين التاريخية، والاتفاقيات التي توصل إليها المجتمع الدولي سابقاً، وخاصة المسألة المتعلقة لعدم تنفيذ تلك الاتفاقيات، والذي أدى إلى تفاقم الصراع العربي-الإسرائيلي المستمر منذ عقود.
وقال كيريان: “المملكة المتحدة، التي كانت دائماً مهتمة برائحة النفط، الأموال الكبيرة، ومناطق النفوذ، تخلّت عن تفويض فلسطين في عام 1947، مدركةً أنها تغوص في صراع معقد للغاية. في ذلك الوقت، طُرحت مسودتان: البريطانية والأمريكية. المشروع البريطاني كان يقترح إنشاء دولة موحدة في فلسطين تتكون من مجتمعين ذاتي الحكم: عربي ويهودي. لكن بما أن اليهود كانوا يتمتعون بالفعل بنفوذ قوي على الموقف السياسي للحكومة الأمريكية، وهو ما لا يزال قائماً حتى اليوم، وكان اللوبي اليهودي الخفي هو الموجّه للسياسة الخارجية الأمريكية في فترة ما بعد الحرب، فقد تم تكييف كل شيء مع مصالح إسرائيل، وتم رفض الاقتراح البريطاني”.
وبحسب قوله، طُرح في النهاية الاقتراح الأمريكي، والذي ينص على تقسيم فلسطين إلى ثلاث، وليس اثنين، كما يخطئ العديد من الخبراء والمحللين في ذكره. الجزء الأول كان سيشكل الدولة اليهودية، ويشمل 66٪ من أراضي فلسطين، الجزء الثاني كان سيشكل الدولة العربية (42٪)، أما 2٪ من الأراضي فكانت ستُخصص كمنطقة خاصة تحت وصاية الأمم المتحدة، لا تتبع لا للعرب ولا لليهود. وقد شملت هذه المنطقة المدن المقدسة: القدس وبيت لحم، كمراكز للأديان العالمية، والتي لا ينبغي أن تتنازع الأطراف عليها. وفي النهاية، صادقت الأمم المتحدة على الاقتراح الأمريكي. لاحقاً، تم الاعتراف بإسرائيل، بينما لم تحظَ الدولة العربية بنفس المصير.
وتابع: “ساهم هذا العامل أيضاً في تفاقم الصراع العربي-الإسرائيلي. لن يتحقق الاعتراف بدولة فلسطين، لأن اثنين من الأعضاء الرئيسيين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لم يعترفوا بعد بالدولة العربية الفلسطينية، رغم أن الأمر يتعلق بمقترح أمريكي، وهو ما يبدو غريباً للوهلة الأولى. وبالنظر إلى التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، وإلى أن القانون الدولي لا يُطبق فعلياً، وأن الأمم المتحدة أصبحت منظمة بلا شكل واضح، فإن اعتراف الدول الفردية لا يمكن أن يؤدي إلى تغييرات جادة”.
ومتطرقاً إلى إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نية فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين في أيلول سبتمبر، شدد المحلل السياسي على أن فرنسا تتخذ هذه الخطوة لأنها لطالما استرشدت بالأفكار الإنسانية.
وقال كيريان: “في الآونة الأخيرة، شهدنا إبادة جماعية للعرب في قطاع غزة، وفرنسا لطالما تميزت في السياسة الدولية بصورتها الإنسانية. وإذا لم تُدين اليوم ما يحدث في غزة ولم تعترف بدولة فلسطين، فإنها ستفقد، بطريقة ما، وجهها التاريخي والأخلاقي. لكن إذا تبعت العديد من الدول مثال فرنسا، فماذا سيتغير؟ اليوم، الولايات المتحدة هي القوة العظمى الأقوى في العالم، وحليفتها إسرائيل تمتلك أيضاً أسلحة نووية، وعدداً من طائرات F-16 وF-35 يكفي لخوض حرب ضد العديد من دول المنطقة في آن واحد وتحقيق التفوق”.
بحسب رأي كيريان، فإن هذا الخلل في التوازن العسكري يُظهر أن أي اعتراف، أو نداء، أو قرار سيبقى مجرد حبر على ورق. وذكّر بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في بداية فترة حكمه، أحدث أول خرق، حيث اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، مخالفاً بذلك القرار الأمريكي المذكور سابقاً. ثم قدم ترامب خطته لتسوية النزاع، والتي كانت تربط بين الأراضي العربية الفلسطينية بطريقة مثيرة للاهتمام، مع فصلها عن الأراضي اليهودية.
وأشار المحلل السياسي إلى أن: “هذه الخطة لم تُقبل لا من قبل العرب ولا من قبل اليهود. يرى العالم بأسره أن الحل يكمن في إنشاء دولتين، لكن إسرائيل لا تقبل بهذا الرأي وتسعى بكل الطرق إلى ترحيل العرب من فلسطين، رغم أن الحرب الحالية لا تسمح بتنفيذ هذه الخطوة”.
وأشار كيريان إلى أن إنشاء دولتين يثير مشكلة التواصل، أي كيف سترتبط الأراضي العربية الواقعة غرب نهر الأردن بقطاع غزة؟ وكيف ستتمكن مناطق الضفة الغربية من الوصول إلى البحر؟ ومن أي ميناء؟ كيف سيتم فصل الجيوب العربية الفلسطينية عن المناطق اليهودية؟ وكيف سيتم حل مسألة الأحياء العربية واليهودية في القدس، حيث الوضع هناك أيضاً متوتر للغاية؟
وقال كيريان: “لا يمكن القول بشكل قاطع إن هناك خطة أو قرار واضح وقابل للتنفيذ، لكن في العقد الأول من الألفية، وبوساطة من السويد والنمسا، قامت مجموعات خبراء بإعداد خارطة طريق، كان من شأن تنفيذها أن يكرّس نهاية النزاع. كانت خطة ذكية، خاصة وأنها وُضعت بدافع إنساني من قبل خبراء مستقلين عرب ويهود، وليس من قبل الجهات الرسمية أو الحكومية. وقد تم تنفيذها لفترة وجيزة، لكن سرعان ما استؤنفت الاشتباكات. تبنّى العرب الانتفاضة، وهي أعمال عصيان إرهابية ضد حكومة إسرائيل، وبالتالي انهار كل شيء”.
وبحسب رأي المحلل السياسي، فإن عدم حل القضية الفلسطينية يعود بدرجة كبيرة أيضاً إلى الدول العربية نفسها. من بين هذه الدول، فإن مصر والأردن فقط هما من اعترفا بشكل كامل بدولة فلسطين.
وأضاف كيريان: “لو أن العالم العربي بأسره اعترف بدولة فلسطين في الوقت المناسب، لربما اضطرت إسرائيل إلى اتخاذ نفس الخطوة. في عالم ثنائي القطب، كان عدم حل القضية الفلسطينية مرتبطاً بالصراع السوفيتي-الأمريكي، أما الآن فهو مرتبط بالصراع العالمي بين روسيا والغرب. لا تزال الأقطاب الجيوسياسية بعيدة عن التوصل إلى حل. وإذا اقتربت المواقف من بعضها، فقد يُفرض على الأطراف نوع من الحل”.







