
تستمر قضية توقيع معاهدة السلام بين أرمينيا وأذربيجان، وتشغيل الطريق عبر سيونيك، والعروض المقدمة من مراكز القوى المختلفة، والأسئلة الناشئة عنها، في تصدّر جدول الأعمال داخل أرمينيا وخارجها، وكذلك في الإعلام الدولي. وبعد أن أصبح معروفاً أن يريفان رفضت الاقتراح الأمريكي باستئجار الطريق الذي يربط ناخيتشفان بأذربيجان عبر ميغري لمدة 99 عاماً، بدأ المحللون في دراسة خيارات بديلة. وخلال هذه الفترة، صدرت رسائل جديدة أيضاً من باكو.
يواصل المحللون الأرمن مناقشة الاقتراح الأمريكي الموجّه إلى الجانب الأرمني، والذي أكده رئيس وزراء أرمينيا في مؤتمره الصحفي الأخير. وتنوعت التعليقات في وسائل الإعلام، لكن النقطة المحورية تبقى أن الولايات المتحدة مستعدة لاستئجار الطريق الذي يمر عبر سيونيك لمدة 100 عام، لربط ناخيتشفان بأذربيجان. ولتحليل الأحداث المتعلقة بالمنطقة بشكل شامل، هناك نقص في المعلومات، كما يقول رئيس منظمة “حوار من أجل السلام” إدغار خاتشاتريان.
“للأسف، لا نملك معلومات كاملة، لذا فإن الأحكام المتعلقة بهذه المسألة تُبنى أساساً على تحليل المعلومات المتوفرة في الإعلام والمجال العام. أعتقد أن أرمينيا تلقت عدة عروض. العرض الذي طرحته الولايات المتحدة هو أحد تلك العروض التي ظهرت للعلن لأسباب معينة، لكنني لا أعتقد أنه العرض الوحيد، وأظن أن هذه العروض طُرحت منذ وقت طويل، وكان أمام جمهورية أرمينيا قائمة كاملة من الخيارات. في المنطقة هناك أطراف فاعلة نشطة نعرفها جميعاً، مثل روسيا، الصين، إيران، والاتحاد الأوروبي. وأعتقد أن الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك فرنسا، قدم عرضاً جديداً لأرمينيا يرتبط جزئياً بما يُسمى “ممر زانغيزور”. وقد أُضيف إلى ذلك عرض الولايات المتحدة.”
بحسب رأي المحلل، فإن برنامج “ملتقى طرق السلام” الذي طرحته أرمينيا يُعد النسخة المجمعة من جميع المقترحات المعقولة، وهو مقبول بالنسبة لأرمينيا.
أما بشأن سبب رفض الاقتراح الأمريكي الذي كان يُتداول لأسابيع، فقد صدر من الجناح الحاكم تفسير موجز لكنه يبدو نهائياً، مفاده أن هذا الاقتراح قد يهدد سيادة البلاد. ورغم أن المحلل السياسي أرمين فاردانيان كان يعتقد في البداية أن الحديث عن الاقتراح الأمريكي لا يستند إلى أسس جدية، إلا أنه بعد سماع التأكيد الرسمي، رحّب بقرار الرفض من الجانب الأرمني.
“لم أكن أعتقد أن الأمر وصل إلى عرض عملي، ولكن إذا وصل بالفعل إلى مرحلة العرض، فمن الطبيعي أن نرحب بخطوة حكومة أرمينيا، لأنه إذا كنا نتنازل عن السيادة، فلا فرق إن كانت لروسيا أو للولايات المتحدة أو لأي دولة أخرى، فإن تأجير أراضي الدولة لدولة أخرى لفترة طويلة هو فقدان للسيادة على الأقل في تلك المنطقة. أعتقد أن أرمينيا اتخذت القرار الصحيح في هذا الشأن، لكن فيما يتعلق بالتفويض الخارجي، يمكن إجراء مفاوضات. لا أرى في ذلك فقداناً للسيادة، لأن التفويض الخارجي يتعلق بتقديم بعض الوظائف أو الخدمات، ويمكن إلغاؤه في أي وقت، خلال خمس دقائق فقط.
مسألة تشغيل ما يُسمى “ممر زانغيزور”، أو كما تسميه الجهة الأرمنية “طريق ميغري”، لا تزال تحظى باهتمام إيران أيضاً.
وقد صرّح مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية الدكتور علي أكبر ولايتي بأن مشروع “ممر زانغيزور” هو بمثابة فخ حصار لكل من إيران وروسيا. وفي السياق ذاته، كرّر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الطرق لا ينبغي أن تغيّر خريطة القوقاز. كما تطرّق إلى انخراط لاعبين غير إقليميين في عمليات جنوب القوقاز.
وقال: “لقد أعلنّا بوضوح أن مثل هذه المقاربات لا تخدم مصالح الأمن والتنمية الإقليمية، ونحن سعداء بأن الأخبار حول مشاركة بعض الأطراف غير الإقليمية قد تم نفيها من جهات مختلفة. لذلك، نتابع هذه القضية عن كثب، لأنها ترتبط أيضاً بمصالح بلدنا. لقد أكدنا دائماً أن توسيع الطرق والممرات النقلية يجب ألا يتعارض بأي شكل من الأشكال مع السيادة الوطنية للدول وسلامة أراضيها، وألا يؤدي إلى تغييرات في الجغرافيا السياسية للمنطقة أو في الحدود المعترف بها.”
في الوقت نفسه، تؤكد إيران أنها تنتظر إرساء السلام بين أرمينيا وأذربيجان وتوقيع الوثيقة ذات الصلة. وتدعو طهران الطرفين إلى التعامل بجدية مع هذه القضية. ووفقاً لإسماعيل بقائي، فإن تأخير توقيع معاهدة السلام بين أرمينيا وأذربيجان قد يؤدي إلى تصاعد التوتر في المنطقة.
أما التصورات المتعلقة بالسلام والتواصل المحتمل مع أرمينيا، فقد عرضها مساعد رئيس أذربيجان حكمت حاجييف، في مقابلة مع صحيفة Berliner Zeitung الألمانية، حيث قال: “إذا كانت أرمينيا مستعدة، فنحن نرغب في تطوير ممر النقل عبر القوقاز بشكل مشترك”.
يرى المحلل السياسي هاكوب باداليان أن أي نقاش حول فك الحصار الإقليمي يُعد ضرورياً. كما يعتبر أنه من المحتمل وجود خيار آخر، وهو أن الاقتراح الأمريكي كان محاولة لموازنة الحوار المحتمل بين أوروبا والصين.
“قد تكون هناك شكوك على الأقل بشأن مسألة ممرات النقل، حيث كانت الصين نشطة، والاتحاد الأوروبي أيضاً بشكل شبه متزامن. ففي نيسان أبريل، زارت الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس باكو مباشرة بعد زيارة إلهام علييف إلى بكين، وفي حزيران يونيو، زارت كالاس أرمينيا بعد زيارة أرارات ميرزويان إلى بكين. ونحن نعلم أن الاتحاد الأوروبي والصين لديهما اهتمام اقتصادي كبير بتشكيل ما يُسمى “الممر الأوسط”. وقد يكون هناك حوار معين بين الاتحاد الأوروبي والصين من أجل التوصل إلى نظام مشترك مرغوب فيه. وبعد زيارة كالاس إلى أرمينيا، عُقدت في بروكسل بعد يومين جلسة الحوار الاستراتيجي بين الاتحاد الأوروبي والصين. في هذا السياق، قد تكون لدى الولايات المتحدة مخاوف من احتمال قيام الاتحاد الأوروبي والصين بخطوات منسقة.”
من الملفت أن السفير الفرنسي لدى أرمينيا أوليفييه ديكوتيني نشر مقطع فيديو من محافظة سيونيك التي أصبحت محور اهتمام إيران وتركيا والولايات المتحدة، وكتب تعليقاً مرفقاً قال فيه: “هذه هي سيونيك، يا سيدي، وهذا هو الإقليم السيادي لأرمينيا. افهموا ذلك”.
أما فيما يتعلق بالإشارات التي نقلتها أذربيجان عبر الصحافة الألمانية، فقد صرّح مساعد رئيس أذربيجان حكمت حاجييف بأنه لا يرى خطراً في تصعيد عسكري بين أرمينيا وأذربيجان. وأضاف أن هناك بعض القضايا العالقة مع أرمينيا، لكن الدبلوماسية والحوار هما الوسيلتان لمعالجتها. وفي الوقت نفسه، كرّر حاجييف الشروط المسبقة التي تضعها باكو لتحقيق السلام.
يريفان الرسمية دائماً ما تلتزم بخطاب السلام، ومن اللافت أنه في ظل التصريحات والتأكيدات الصادرة من باكو، يتم الحديث في أرمينيا، وعلى أعلى المستويات، عن مطالب إقليمية جديدة من جانب أذربيجان تجاه أرمينيا، بالإضافة إلى شروط مسبقة جديدة تُطرح باستمرار.







