
تقوم أذربيجان بشكل منهجي بإدخال صياغات جديدة في وثائق دولية مختلفة تتعارض مع المواقف الأرمنية، وتطرح شروطاً مسبقة جديدة، إما بعيدة تماماً عن مسودة معاهدة السلام المُتفَق عليها، أو تتناقض مع منطقها. وقد تم اعتماد وثيقتين بفارق أيام قليلة: إحداهما في ختام القمة السابعة عشرة لمنظمة التعاون الاقتصادي التي عُقدت مؤخراً في ستيباناكيرت، والأخرى سابقاً خلال مؤتمر وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول. وقد ردّت يريفان رسمياً وبوضوح على ما تضمّنته تلك القرارات والبيانات من اتهامات كاذبة ومطالب غير مبرّرة.
وجاء في تقييم مؤسسة “كيغارد” للتحليل العلمي أنه من خلال جمع القيادة العليا لمنظمة التعاون الاقتصادي في ستيباناكيرت، استغل علييف ذلك المنبر لتوجيه اتهامات زائفة جديدة ومطالب لأرمينيا. وأشار المحلل في المؤسسة موشيغ غاهريان إلى أن أذربيجان زعمت، في هذا اللقاء وعلى أعلى مستوى سياسي، بأن 65 من أصل 67 مسجداً في آرتساخ قد تم تدميرها، وأن المسجدين المتبقيين استُخدما كحظائر للحيوانات. وأضفى علييف بُعداً خطيراً على هذه الاتهامات، واصفاً الأمر بأنه “تعبير عن عدم احترام للدين الإسلامي والمسلمين حول العالم”. كما اتهم الأرمن بأنهم نهبوا ونقلوا شواهد قبور الأذريين إلى داخل أراضي أرمينيا، وادّعى أن لجنة حكومية شكلتها أذربيجان قد “قيّمت” مستوى الضرر الذي ألحقته أرمينيا.
ما هي المؤسسات الدولية التي سجّلت مزاعم “التخريب” التي تتحدث عنها باكو باستمرار؟ هذا ما تساءل عنه المحلل في مؤسسة “كيغارد” للتحليل موشيغ غاهريان.
“لا توجد هيئات مماثلة وثّقت مثل هذه المزاعم، بل العكس تماماً. فقد وثّقت عدة منظمات دولية، بما في ذلك عبر صور أقمار صناعية ومقاطع فيديو مختلفة، كيفية تدمير أو الاستيلاء على التراث الثقافي والديني الأرمني في آرتساخ. في السنوات الأخيرة، ظهرت العديد من الأمثلة والتقارير الصادرة عن مؤسسات دولية مرموقة تثبت التدمير المنهجي للتراث الأرمني. أما ما يُقال على النقيض من ذلك، فربما لن تجدوا له أي دليل”.
لم تكتب المؤسسات الدولية عن “التخريب” المزعوم من الجانب الأرمني، بل عن التخريب الذي نفذته أذربيجان نفسها. وفقاً لتقرير نُشر في حزيران يونيو 2024 من قبل منظمة “Caucasus Heritage Watch”، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية، تم تسجيل زيادة بنسبة 75٪ في تدمير الكنائس والأديرة والمقابر والصُلبان الحجرية (خاتشكار) وغيرها من المعالم الثقافية الأرمنية. أما في تقرير لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية لعام 2025، فقد أُشير إلى أن أذربيجان تنتهج سياسة منظمة تهدف إلى القضاء على التراث الديني والثقافي الأرمني.
من جهتها، أعربت اليونسكو عن قلقها إزاء التقارير العديدة التي تلقتها بشأن تدمير القيم الثقافية الأرمنية في ناغورنو كاراباخ، وحاولت إرسال بعثة ميدانية لتقييم حالة التراث الثقافي، إلا أن هذه المهمة لم تتم حتى الآن بسبب رفض أذربيجان.
الدول المشاركة في القمة التي عُقدت في ستيباناكيرت، أذربيجان، تركيا، باكستان، أفغانستان، طاجيكستان، قيرغيزستان، كازاخستان، أوزبكستان، تركمانستان، وإيران، هي أيضاً أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. وقد صوّت وزراء خارجيتها بالإجماع قبل أيام في إسطنبول على قرارٍ آخر، تضمن مطالب متكررة بشأن ما يُسمّى “أذربيجان الغربية”، وادعاء “حق العودة”.
وقد أعربت يريفان الرسمية عن خيبة أملها من خلال بيان صادر عن وزارة الخارجية الأرمينية، جاء فيه:
“لا يوجد ولن يكون هناك شيء يُسمى “أذربيجان الغربية” على أراضي جمهورية أرمينيا. فيما يتعلق بالأذريين الذين كانوا يقيمون في أرمينيا السوفييتية، فقد غادروا البلاد في السنوات الأخيرة من وجود الاتحاد السوفييتي طوعاً، وباعوا أو تبادلوا ممتلكاتهم، أو حصلوا على تعويضات من الحكومة الأرمينية. للأسف، لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لمصير الأرمن في أذربيجان، في باكو، سومغايت، وغيرها من المناطق، حيث وقعت مذابح وعمليات تهجير قسري بحقهم. وقد شهد العالم تكراراً لذلك في خريف عام 2023، عندما اضطر أكثر من 115000 أرمني إلى مغادرة ناغورنو كاراباخ نتيجة للتطهير العرقي.”
بعد صدور البيان المعتمد في إسطنبول، سارع المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إلى توضيح أن بلاده لا تدعم بعض العبارات والمصطلحات الواردة في بيان إسطنبول. وبحسب بقائي، فإن استخدام هذه المصطلحات قد يعكس رغبة في إحداث تغييرات جيوسياسية، وهو أمر غير بنّاء، ولا ينبغي أن يُشكّل أساساً للسياسات العملية لدول المنطقة.
وأشار محلل مؤسسة “كيغارد” للتحليل العلمي موشيغ غاهريان إلى أن الدول التي تشارك في مثل هذه المبادرات، أو تصوّت لصالح قرارات معيّنة، أو تدعم خطاب علييف، تُصبح شريكة لأذربيجان في حال حصول عدوان جديد في المنطقة. ويرى المحلل أن ما يُطرح حول ما يُسمى “الحق في العودة” ليس مطلباً قانونياً، بل تهديداً صريحاً يُقوّض أمن المنطقة واستقرارها.
“تستخدم أذربيجان بشكل دائم منبر منظمة التعاون الإسلامي لتمرير وجهات نظرها وسياستها في الوثائق والقرارات المعتمدة. واليوم، تُدرج مجددًا مسألة “عودة الأذربيجانيين الغربيين” على جدول أعمال المنظمة، وهي مسألة لا تمثل فقط تهديداً بل هي أيضاً إشكالية، لأننا نعلم أن مثل هذه المطالب تُعد انتهاكاً وطمعاً في سيادة جمهورية أرمينيا وسلامة أراضيها. ومن هذه الزاوية، نعم، هذه الصياغات خطيرة ومثيرة للمشاكل.”
كما أثارت تصريحات أخرى صادرة في ستيباناكيرت الحاجة للتوضيح في أرمينيا، حيث قال رئيس تركيا إن أرمينيا، رغم معارضتها في البداية لما يُسمى بـ”ممر زانغيزور”، باتت اليوم تتبنى موقفاً أكثر مرونة تجاه مسألة الاندماج الاقتصادي. وقد ردّ أرتور هوفهانيسيان، سكرتير تكتل “العقد المدني”، مؤكداً: “هذا التصريح لا يشير إلى تطورات مقلقة أو خطيرة. أرمينيا لم تغيّر موقفها من هذه المسألة.”
“أرجو ألّا يتم تحوير كل تعليق ليُفسّر وكأنه يتعلق بهذه المسألة، لأن جمهورية أرمينيا لم تُقدِم على أي تنازل، ولن تُقدم عليه. لقد أعلنا عن هذا مراراً، وأعتقد أن أي شخص يوجه دعوات للتراجع عن سيادة أرمينيا ووحدة أراضيها، فإنه عملياً يهدد النظام الدستوري، ويجب أن يتحمل المسؤولية القانونية الجنائية عن ذلك.”
وفي سياق متصل، أفاد كاتب تركي في موقع “Middle East Eye” البريطاني قبل أيام عن إمكانية عقد لقاء بين باشينيان وعلييف في دبي نهاية تموز يوليو، لكن يريفان الرسمية لم تؤكد أو تنفِ صحة هذه المعلومة. يرى المحللون في احتمال عقد هذا اللقاء خطوة مرحب بها، خاصةً في ظل غياب التواصل المباشر بين أرمينيا وأذربيجان منذ فترة طويلة.







