
كشفت مؤسسة “كارنيغي بوليتيكا” في تقرير تحليلي جديد أن الولايات المتحدة تسعى إلى تفعيل نموذج خاص بها للرقابة على ممرات الاتصال الإقليمية التي قد تمر عبر أرمينيا، وذلك بمشاركة شركات أمريكية في المشروع، في خطوة ترمي إلى ترسيخ نفوذ واشنطن في منطقة جنوب القوقاز.
ووفق التقرير الذي أعدته الخبيرة في قضايا الأمن والنزاعات في جنوب القوقاز، “أوليسيا فاردانيان”، فإن الحكومة الأرمنية تكثّف جهودها الدبلوماسية تجاه تركيا، على أمل أن تسهم تحسين العلاقات مع أنقرة إما في توقيع اتفاق سلام مع أذربيجان أو على الأقل في تجنّب تصعيد عسكري جديد على طول الحدود المتوترة.
وأشار التقرير إلى أن رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان قام مؤخراً بـ”زيارة تاريخية” إلى إسطنبول، وهي أول زيارة رسمية لرئيس وزراء أرمني إلى تركيا، حيث تم استقباله في قصر دولما بهجة، وهو ما اعتبر إقراراً واضحاً بتنامي الدور الإقليمي لأنقرة.
ووصفت فاردانيان هذه الخطوة بأنها تحوّل استراتيجي مهم، مشيرة إلى أن العلاقات بين أنقرة ويريفان ظلت منقطعة لعقود، بسبب دعم تركيا العلني لأذربيجان في صراع ناغورنو كاراباخ، بما في ذلك خلال حرب 2020، حيث لعبت الطائرات المسيّرة التركية دوراً محورياً في انتصار باكو.
وأوضحت فاردانيان أن السيد باشينيان أطلق مسار تطبيع العلاقات مع تركيا بعد الحرب، وتم تبادل زيارات دبلوماسية، كما أرسلت أرمينيا مساعدات إنسانية إلى تركيا بعد الزلزال المدمر في 2023، ما اعتُبر مؤشراً على دفء العلاقات.
كما اتخذ باشينيان مواقف رمزية جريئة، بينها دعوته إلى تجاوز “فكرة أرمينيا التاريخية” التي تشمل أراضٍ داخل تركيا المعاصرة، مثل جبل أرارات، مع تقديم جبل أراغاتس داخل الأراضي الأرمينية كرمز وطني بديل، ما فُسّر كمحاولة لتعزيز خطاب المصالحة بدلاً من الضغينة.
ورغم هذه التحركات، فإن العلاقات لا تزال تراوح مكانها… فالمحادثات بشأن فتح الحدود وتبادل السفراء لم تسفر بعد عن نتائج ملموسة، إذ تشترط تركيا أولاً إبرام اتفاق سلام بين يريفان وباكو، بينما تصر الأخيرة على تعديل الدستور الأرمني وإلغاء الإشارات إلى مطالب تاريخية بشأن ناغورنو كاراباخ.
يرى التقرير أن أنقرة تمارس ضغوطاً استراتيجية وتلعب “لعبة طويلة الأمد”، ساعية إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي عبر تحويل أرمينيا إلى نقطة عبور تجارية تربط تركيا بأذربيجان وآسيا الوسطى، وهو ما يُعرف بمشروع “الممر الأوسط”.
ويشير التقرير إلى أن أحد أكثر الملفات حساسية يتعلق بـ”ممر زنغيزور”، وهو مسار مقترح يمر من أرمينيا باتجاه جيب ناخيتشيفان الأذربيجاني المتمتعة بالحكم الذاتي، على أن يكون خاضعاً للرقابة الأرمنية، خلافاً لما تطالب به أذربيجان من إشراف خارجي أو حيادي.
بسبب انعدام الثقة، تطالب باكو بضمانات أطراف ثالثة، خشية تغيّر المواقف السياسية في يريفان مستقبلاً، وترفض الاستثمار في مسارات تعتبرها عرضة للخطر. ويذكر التقرير أن تركيا تقبل بهذا المنهج، وإن كانت أرمينيا تأمل في أن تعترف أنقرة يوماً بسيادتها الكاملة على الممرات.
وكان الاتحاد الأوروبي قد طرح سابقاً نموذجاً مستنداً إلى تجربة جورجيا- روسيا بعد 2008، يتمثل في إدارة الممرات من قبل جهة لوجستية أجنبية مستقلة، تتبادل المعلومات مع كافة الأطراف. ورغم اختلاف السياقات، رأى الجانبان أنه نموذج عملي.
لكن هذا المسار توقف بعد تجدد التوترات الحدودية في 2023 وانهيار الوجود الأرمني في ناغورنو كاراباخ.
في هذا السياق، يرى التقرير أن الولايات المتحدة قد تكون الطرف الوحيد القادر حالياً على إحياء المفاوضات… وتقول مصادر، إن واشنطن ضمن إدارة ترامب الثانية، عرضت نموذجاً مشابهاً للاتحاد الأوروبي لكن بلمسة أمريكية، يشمل مشاركة شركات أمريكية خاصة في تشغيل الممرات، على غرار الصفقة الأخيرة بشأن المعادن النادرة في أوكرانيا.
ووفق التقرير، فإن واشنطن تبدو مصممة على المضي قُدماً في تنفيذ المبادرة، ومن بين الخيارات، الضغط على أذربيجان للتراجع عن بعض شروطها الدستورية، أو ممارسة ضغوط على يريفان لقبول النموذج الأمريكي حتى لو أدى إلى تأجيل اتفاق السلام الشامل.
وختم التقرير بإشارة من أحد المسؤولين الأمريكيين إلى تفاؤل حذر: “ربما يحصل الرئيس دونالد ترامب على جائزة نوبل للسلام إذا نجح في إنهاء هذا الصراع المعقد”.







