
في 24 أبريل من كل عام، يحيي الأرمن حول العالم ذكرى الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق 1.5 مليون أرمني عام 1915. لكن هذا العام، اختارت كايا كالاس، رئيسة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، أن تزور أذربيجان في ذلك اليوم الآليم، متجنّبة عمداً زيارة أرمينيا المجاورة ضمن جولتها الإقليمية.
هذا التوقيت أثار تساؤلات جدية: ما الرسالة التي يوجهها الاتحاد الأوروبي حين تقف مسؤولته البارزة تبتسم أمام الكاميرات في باكو، بينما يضع المواطنون الأرمن الزهور على نصب شهداء الإبادة في يريفان؟ ولماذا الدعم الأوروبي يتجه إلى نظام سلطوي في يوم رمزي من الألم القومي الأرمني؟
وبحسب تحليل نشرته بوليتيكو، السبب المحرج وراء هذه الزيارة يتعلّق، ببساطة، بـ السياسة الطاقوية. أوروبا، في سعيها الحثيث للتخلص من اعتمادها على الغاز الروسي، اختارت أذربيجان شريكاً بديلاً، متجاهلة سجلها القاتم في حقوق الإنسان والديمقراطية.
وزيارة كالاس لم تمر مرور الكرام داخل الأوساط السياسية الأوروبية. فقد أعرب عدد من النواب الأوروبيين عن استيائهم الشديد، من بينهم ميخائيل روث، النائب السابق في البوندستاغ، الذي قال: “أن تزوري نظاماً سلطوياً في باكو وتتجاهلي ديمقراطية يريفان، بينما أرمينيا تقترب من الاتحاد الأوروبي، هو خطأ استراتيجي فادح”.
أما النائبة الفرنسية إيزابيل سانتياغو، فعلّقت بقولها: “من المروّع أن تزور ممثلة رفيعة في الاتحاد الأوروبي إلى أذربيجان في 25 أبريل، في حين لا يزال الأسرى الأرمن يقبعون في سجون باكو”.
أرمينيا: ديمقراطية ناشئة تواجه التجاهل
منذ “الثورة المخملية” عام 2018، شهدت أرمينيا تحوّلاً ديمقراطياً حقيقياً، أطلقت فيه إصلاحات لمكافحة الفساد وتعزيز حكم القانون. وقبل أسابيع فقط، أقرت يريفان قانوناً يُعبّر عن نيتها بدء مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي – في خطوة تعكس إرادة شعبية واسعة.
حكومة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، التي جاءت نتيجة احتجاجات شعبية، تسعى لفك الارتباط التدريجي مع موسكو وتعميق الشراكة مع الغرب… بل إن أرمينيا تستضيف اليوم بعثة مراقبة تابعة للاتحاد الأوروبي على حدودها، في إشارة واضحة إلى تغيير التحالفات الجيوسياسية في المنطقة.
في المقابل: أذربيجان… سلطة استبدادية مكشوفة
على النقيض من ذلك، تحكم أذربيجان منذ سنوات بنظام سلطوي صارم، حيث تتركز السلطة في يد عائلة الرئيس إلهام علييف… تُقمع المعارضة، ويُسجن الصحفيون، وتُجري انتخابات شكلية لا تحمل أي مضمون ديمقراطي.
وفي فبراير 2024، “فاز” علييف بولاية خامسة بنسبة 92% من الأصوات، في انتخابات وصفها المراقبون بـ”المزورة”. حتى أن زوجته تشغل منصب نائب الرئيس.
دولياً، تتصرف أذربيجان بعدوانية واضحة… في عام 2020، شنّت حرباً ضد الأرمن في ناغورني كاراباخ، ثم فرضت حصاراً خانقاً على الإقليم، تلاه هجوم عسكري واسع أجبر أكثر من 100,000 مدني أرمني على الفرار قسراً من منازلهم ووطنهم. ورغم هذه الكارثة الإنسانية، بقي رد فعل أوروبا باهتاً، إن لم يكن متواطئاً.
والأدهى أن باكو لا تزال تحتجز أسرى حرب ومدنيين أرمن بشكل غير قانوني، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
ومع تحوّل أوروبا عن الطاقة الروسية، عقدت المفوضية الأوروبية في عام 2022 اتفاقاً مع باكو لمضاعفة واردات الغاز، ووقفت أورسولا فون دير لاين إلى جانب علييف واصفة أذربيجان بـ”شريك موثوق”.
لكن بوليتيكو تطرح سؤالاً مريراً: هل أصبحت حقول النفط والغاز أهم من الديمقراطية وحقوق الإنسان؟
ازدواجية المعايير تهدد مصداقية الاتحاد الأوروبي
البرلمانية الفرنسية ناتالي لوازو لخّصت التناقض بقولها: “أن تتجاهل الاتحاد الأوروبي بلداً ديمقراطياً مثل أرمينيا، بينما يداهن دولة تُهدد جيرانها وتقمع شعبها، يُظهر مدى النفاق في السياسة الأوروبية”. ويختم المقال بدعوة صريحة: دعم أرمينيا – هذه الديمقراطية الحديثة المحاصرة – ليس فقط واجباً أخلاقياً، بل خدمة لمصالح أوروبا طويلة الأمد في الحفاظ على نظام دولي مستقر، قائم على القواعد والقيم”.







