
كتبت صحيفة “فاست” الأرمنية: ليس جديداً أن أذربيجان لا تولي اهتماماً لحقوق الإنسان أو للقانون الدولي. لكن المقلق اليوم هو أن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف لم يعد يتردد في التعبير عن هذا التوجه علناً. فقد تجاوز هذه المرة الخطوط الدبلوماسية ليهاجم مجلس أوروبا، وبشكل خاص الجمعية البرلمانية التابعة له (PACE)، احتجاجاً على قرار تعليق صلاحيات الوفد الأذربيجاني لدى المجلس.
وفي خطوة تصعيدية غير مسبوقة، أعلن علييف أن بلاده لن تلتزم بقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ووضعت حكومته رئيس الجمعية البرلمانية و76 عضواً أوروبياً على “قائمة سوداء”، فقط لأنهم تجرأوا على إصدار تقييمات موضوعية بشأن وضع حقوق الإنسان في أذربيجان.
بدوره رئيس الجمعية البرلمانية، أصدر بياناً شديد اللهجة، أكد فيه أن “لا أحد يستطيع ابتزاز مجلس أوروبا”، متهماً علييف بالتصرف كديكتاتور… ويبدو أن هذه المرة، أوروبا بدأت تدرك أن سياسة التغاضي والتساهل تجاه باكو لم تؤتِ ثمارها، بل شجعتها على تجاوز كل الخطوط الحمراء.
لكن السؤال المطروح: أليس هذا التحرك متأخراً؟ فقد عمدت مؤسسات أوروبية طوال سنوات إلى تجاهل تجاوزات النظام الأذربيجاني، بل في بعض الأحيان حاولت استرضاءه، وغضت الطرف عن ممارساته، حتى حين أطلقت تصريحات إدانة، كانت سطحية ولم تُتبع بأي خطوات ملموسة.
وفي ظل هذا التراخي، تمكّن علييف من استغلال المنابر الأوروبية لتنفيذ ما يعرف بـ”دبلوماسية الكافيار”، حيث كشفت عدة تحقيقات عن تورط مسؤولين أوروبيين في تلقي رشاوى وهدايا فاخرة من أجل دعم مواقف أذربيجان داخل المجلس. وفي الجمعية البرلمانية تحديداً، أظهرت الأدلة أن أصواتاً كانت تُشترى بالنفط والدولارات.
وبينما كانت باكو تنتهك حقوق الأرمن في ناغورنو كاراباخ وتغلق ممر لاتشين وتُهجر السكان قسرياً، اكتفت أوروبا بإصدار بيانات خجولة، ما اعتبرته أذربيجان “ضوءاً أخضر” لمزيد من الانتهاكات.
الأدهى من ذلك، أن أذربيجان أصبحت مورداً رئيسياً للنفط والغاز لعدد من الدول الأوروبية، ما جعل المصالح الاقتصادية تُطغى على المبادئ التي طالما تغنت بها أوروبا، وعلى رأسها حقوق الإنسان.
ورغم هذا السلوك الذي يتنافى مع كل القيم الأوروبية، لا تزال المفوضية الأوروبية تعتبر علييف “شريكاً موثوقاً”. في المقابل، يستمر النظام الأذربيجاني بتقويض مكانة مجلس أوروبا وتشويه صورته كمؤسسة دولية تدافع عن الديمقراطية.
ومن هنا، تُطرح تساؤلات جدية: إذا كانت أذربيجان ترفض تنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية، فلماذا يتوقع من بقية الدول الأعضاء الالتزام بها؟ وهل ما زال لبقاء أذربيجان داخل مجلس أوروبا معنى؟
إن كانت أوروبا جادة في حماية مؤسساتها، فقد حان الوقت لفرض عقوبات واضحة ومباشرة على باكو، أو طردها من المجلس. فالتصريحات وحدها لم تعد كافية، وأذربيجان لا تفهم سوى لغة القوة… أو الخسارة.







