Topالعالمتحليلات

السعودية وأميركا… اتفاق ثنائي ينتظر التطبيع مع إسرائيل

بحسب “العربي الجديد”، جولة مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان بين الرياض وتل أبيب عبارة عن محاولة قد تكون الأخيرة من طرف إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، لإنجاز صفقة التطبيع بين السعودية وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة. وبمجرد إعلان زيارة المسؤول الأميركي، سرت تكهنات بأنها ستكون مختلفة عن سابقاتها، علماً أنه تم تأجيل زيارة له الشهر الماضي، بحجة أن سوليفان يعاني من إصابة بعد وقوعه في الحمام، لكن مصادر إعلامية سعودية خاصة تحدثت لـ”العربي الجديد” قدمت تفسيراً آخر، مفاده عدم نضج الاتفاق المرتقب. وساد تفاؤل حذر بعد اللقاء بين وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان وسوليفان في مدينة الظهران السعودية في 19 مايو/ أيار الحالي، مع أن وسائل الإعلام تحدثت عن التوصل إلى “صيغة شبه نهائية” في شأن “الاتفاق الأمني الاستراتيجي” المرتقب، المفترض أن يكون الأول من نوعه بين الولايات المتحدة ودولة عربية على الإطلاق.

وكان لافتاً أن وكالة الأنباء السعودية “واس” هي التي نقلت خبر تقدم مفاوضات اتفاق السعودية وأميركا، وأكدت أن المحادثات بحثت “الصيغة شبه النهائية لمشروعات الاتفاقات الاستراتيجية بين المملكة والولايات المتحدة، التي قارب العمل فيها على الانتهاء”. وعلى الجانب الآخر، كتب مراسل موقع “أكسيوس” الإخباري الأميركي المختص في شؤون المنطقة، الإسرائيلي باراك رافيد، على منصة إكس (تويتر سابقاً) في 19 مايو الحالي، أن مسؤولاً أميركياً أخبره أن “المحادثات بين سوليفان وولي العهد كانت جيدة جداً ومثمرة للغاية”. وكشف مصدر سعودي في حينه لوسائل إعلام سعودية، أن إعلان إبرام اتفاق السعودية وأميركا الدفاعي “قد يحصل بصورة نهائية في أي لحظة”، مشيراً إلى أنه لن يتفاجأ إن حدث ذلك في يوليو/ تموز المقبل.

ويعني هذا أن فرق العمل المختصة بإنجاز اتفاق السعودية وأميركا قد أنهت العمل به، وبقي أن تقوم الإدارة الأميركية بإعلانه من ضمن صفقة شاملة، تشمل التطبيع بين السعودية وإسرائيل، في مقابل موافقة الحكومة الاسرائيلية على إعلان دولة فلسطينية. وذكرت تسريبات إعلامية أميركية أن خطة المسؤولين الأميركيين تقوم على التوصل إلى اتفاقيات ثنائية مع السعوديين، ثم عرضها على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تشمل “إنهاء الحرب في غزة، والتزام مسار يؤدي إلى حل الدولتين للإسرائيليين والفلسطينيين”. وإذا وافق نتنياهو على الاتفاقات المتوقعة، فـ”يمكن التوسط في اتفاق سلام تاريخي بين السعودية وإسرائيل”. الكرة، كما في كل مرة، في ملعب نتنياهو، لذلك بدا الاجتماع بينه وبين مستشار الأمن القومي الأميركي صعباً، وهذا ما فسر عدم صدور رفض علني صريح من جانبه للمرة الأولى، لكنه لم يعلن موافقته، رغم أن النسخة التي نقلها إليه سوليفان الآتي من السعودية محدّثة، وتضمنت “التطبيع مع السعودية، وتوسيع غلاف أمني توفره الولايات المتحدة ودول المنطقة ضد إيران، واستثمار مليارات الدولارات في غزة بنفوذ إسرائيلي، إلى جانب اعتبار صفقة إطلاق سراح الرهائن جزءاً من نهاية الحرب، ودفع اتفاق سياسي مع حزب الله في الشمال”، حسبما أوردت إذاعة الجيش الإسرائيلي في 21 مايو الحالي. والمطلوب من الحكومة الاسرائيلية حسب الاتفاق المحدّث تأكيدها أنها مع إجراء خلق أفق سياسي على أساس حل الدولتين.

بعد اجتماع نتنياهو مع سوليفان، رجّح وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أن “إسرائيل غير قادرة، أو غير راغبة في السير في هذا المسار خلال هذه اللحظة”. وتحدثت وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية عن أن نتنياهو، خيّب أمل سوليفان بالفعل قبل وصوله إلى إسرائيل، إذ جاء رد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي على تصريحات الوزير في مجلس الحرب بيني غانتس، بالرفض التام لحل الدولتين. ونقل موقع صحيفة يديعوت أحرونوت الاسرائيلي عن مصادر قولها: “يبدو الأمر كما لو أن نتنياهو رفض سوليفان حتى قبل وصوله”. وبحسب المصادر فإنه من وجهة نظر الولايات المتحدة قد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة للتوصل إلى اتفاق تطبيع بين إسرائيل والسعودية. ويتمثل التحديان الرئيسيان الآن في التوصل إلى تعريف متفق عليه لنهاية القتال في غزة، وإصدار بيان علني إيجابي من نتنياهو في ما يتعلق بمستقبل الدولة الفلسطينية. ومن دون هذين الأمرين، فإن طريق الاتفاق لا تبدو سالكة. وحسب ما ورد في موقع صحيفة يديعوت أحرونوت، فقد قال سوليفان في جلسة خاصة: “إذا أضعنا هذه الفرصة، سنجد أنفسنا أمام مشكلة كبيرة، والرأي العام الدولي ليس في صالح إسرائيل”. وأضاف: “يحيى السنوار يضربنا يميناً ويساراً”.

يبدو واضحاً أن نتنياهو لن يقدم على اتخاذ خطوات جادة قبل نهاية الحرب على غزة، بل يأمل تحقيق الأهداف التي وضعها للحرب، مثل تدمير حركة حماس، واستعادة الرهائن الإسرائيليين، وضمان ألا تشكل غزة تهديداً لإسرائيل. وما لم يعلنه هو أنه يميل إلى عدم منح الإدارة الأميركية الحالية ورقة التطبيع مع السعودية، ويفضل انتظار نتائج الانتخابات الأميركية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. على ذات المنوال، هناك مزاج عام في الرياض يميل إلى تأجيل اتفاق السعودية وأميركا إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. وتصرّ الرياض على أن يكون الاتفاق ذات صبغة قانونية، أي أن يُقرّها الكونغرس، ليصبح اتفاقاً بين دولتين، خصوصاً أن ليس هناك إجماع داخل مجلس النواب الأميركي على تزويد السعودية بالطاقة النووية السلمية، وتوفير مظلة نووية للسعودية على غرار اليابان، وتزويدها بالأسلحة الأميركية المتطورة، وبعض التكنولوجيات المتطورة. وتتمسك السعودية حتى الآن بموقف صريح مفاده أنه لا تطبيع مع إسرائيل إلا بعد إطلاق مشروع الدولة الفلسطينية. في السياق، قال وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في الرياض في نهاية إبريل/نيسان الماضي، إن الطريقة الوحيدة لنجاح الاتفاقات بين السعودية وأميركا، هي إذا كان هناك “طريق حقيقي إلى دولة فلسطينية”. ووافقه نظيره الأميركي أنتوني بلينكن الرأي، معتبراً أنه “من أجل المضي قدماً في التطبيع، سيكون هناك حاجة إلى شيئين: الهدوء في غزة، ومسار موثوق به إلى دولة فلسطينية”.

السؤال المطروح هو أنه إذا استمر نتنياهو بالرفض، هل يجري التخلي عن صفقة التطبيع، ويتواصل السير باتفاق السعودية وأميركا أم تُجزَّأ المسألة، وما سيُوقَّع عليه بين واشنطن والرياض لن يتعدى إعلان مبادئ؟ في هذا الإطار، كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية أن السعودية وافقت على “مسوَّدة شبه نهائية” لاتفاق أمني مع الولايات المتحدة، تتضمن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، مخففة لهجتها في الاتفاق بالدعوة إلى “مسار موثوق نحو حل الدولتين”. هل هذا يعني أن الرياض خففت من شروطها من أجل إنجاز الاتفاق؟ هذا سؤال ينتظر الإجابة عنه كشف الخطوط العريضة لاتفاق السعودية وأميركا المرتقب، وهو احتمال وارد في ظل دعوة البعض إلى الفصل بين مساري التطبيع السعودي الإسرائيلي واتفاق السعودية وأميركا، وألّا يُنَصّ على موضوع التطبيع في الاتفاقات الثنائية. وذكرت أوساط أميركية أن واشنطن عملت على إقناع إسرائيل بأن الموضوع لصالحها، وإذا لم تستجب ستعمل على فصل الموضوعين. وهذه ورقة رمتها الإدارة منذ فترة إلى نتنياهو كي يغير موقفه. وهناك نقطة أخرى، وهي مسألة مرور الاتفاق في الكونغرس، وهو يحتاج إلى ثلثي الأصوات، وإشراك إسرائيل بالاتفاق من شأنه أن يسهل ذلك، وإلا فإنه قد يتعرض للعرقلة.

يبدو الطلب السعودي لعقد اتفاق أمني تحولاً مهماً في الاستراتيجية الأمنية السعودية تجاه الولايات المتحدة، التي اعتمدت عليها طوال عدة عقود، بصورة شبه رسمية. وارتبطت السعودية وأميركا بشراكة مديدة، من بينها مبيعات أسلحة تجاوزت 140 مليار دولار، ولكن لم يرتبط البلدان بأي اتفاق دفاعي، ولم تقدم أميركا أي ضمانة للسعودية. ويبدو التوجه السعودي إلى إبرام اتفاق أمني مع واشنطن محاطاً بعلامات الاستفهام، في ظل عدم وجود تهديد أمني خارجي ملموس للسعودية، ويجري طرح الكثير من الأسئلة عن تفاصيل “الاتفاق المرتقب”. ومن بين النقاط مثار الاستفهام، تلك التي تتناول طبيعة الارتباط الجديد بين البلدين، في ظل علاقات الرياض المتنامية مع موسكو وبكين، ومستوى الدعم الأمني الذي تقدمه واشنطن إلى الرياض، ومدى ارتباطه بحضور عسكري أميركي على الأراضي السعودية. أمر سبق للسعودية أن رفضته، وطلبت عام 2003 رحيل القوات الأميركية الموجودة على أراضيها، كذلك أغلقت منشأة عسكرية متطورة للغاية بنتها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في قاعدة الأمير سلطان الجوية في الخرج، على بعد أقل من مائة كيلومتر جنوب شرقيّ الرياض، وكانت قد بُنيَت نواةً لقاعدة عمليات أميركية إقليمية.

لا يمتلك أحد من المراقبين والخبراء رؤية كاملة لما يمكن أن تقدمه واشنطن من ضمانات فعلية  للرياض، في مواجهة هجوم محتمل، وما إذا كانت ستتدخل عسكرياً في حال تعرُّض السعودية لهجوم من طرف ما. وقد امتنعت عن مساعدتها في الرد على هجمات إيران في سبتمبر/ أيلول 2019 من طريق الحوثيين على منشآتها النفطية، ويومها تهرّب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من المسؤولية، وقال إنه كان هجوماً على السعودية و”لم يكن هجوماً علينا”. هناك أكثر من صيغة منها اتفاق دفاعي مشابه لمعاهدتي أميركا مع كوريا الجنوبية في عام 1954 واليابان في عام 1960، أو التزام على غرار الذي منحته الولايات المتحدة للبحرين في عام 2023، أو صيغة حليف من خارج حلف شمال الأطلسي “ناتو” على غرار قطر.

تبدو إدارة بايدن بحاجة لإنجاز اتفاق ثلاثي سعودي إسرائيلي أميركي قبل الانتخابات الرئاسية، وتراهن على أنه سيساعدها إلى حد كبير في تحسين فرص ربح الانتخابات. ومن المنتظر أن تتضح الصورة أكثر خلال الأيام المقبلة، لكن اشتداد الحرب الإسرائيلية على غزة، لا يبشر بحصول اختراق نوعي، حتى لو أُعلِن الاتفاق على الصفقة. وربما تكتفي واشنطن والرياض باتفاق ثنائي، يدشن مرحلة جديدة شبيهة بتلك التي بدأت مع حفر البئر السابعة في الظهران عام 1938.

إظهار المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى