Topتحليلاتسياسة

سافراستيان: تريد تركيا القفز، وهو أمر خطير للغاية على الصعيدين الإقليمي والداخلي

بحسب “أرمنبريس”، في مؤتمر صحفي، تحدث الأكاديمي والخبير في الشؤون التركية روبين سافراستيان التطورات الإقليمية ودور تركيا فيها، وأشار إلى أنه تعتبر تركيا، بحسب مؤشراتها، دولة من دول الطبقة المتوسطة، لكنها تسعى جاهدة للانضمام إلى مصاف القوى العظمى في العالم، بل وتدعو إلى زيادة عدد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، إلا أن هذه السياسة لا تتوافق فعلياً مع إن سياسة تركيا أشبه بالقفز، وهو أمر خطير للغاية على الصعيدين الإقليمي والداخلي.

وقال: “اليوم، تواصل تركيا، التي تعاني من مشاكل اقتصادية خطيرة، الاستثمار بكثافة في الصناعة العسكرية. وفي العام الماضي، أعلن أردوغان أن تركيا توفر 80% من منتجات الصناعة العسكرية، وهو مؤشر كبير جداً بمعايير العالم الحديث. وتنتج تركيا أنواعاً مختلفة من الأسلحة، بما في ذلك السفن الحربية القوية. وبفضل هذه السياسة تسعى أنقرة إلى أن تصبح عاملاً مستقلاً من الناحية العسكرية وتخدم في الوقت نفسه طموحات حكومة أردوغان التي تريد تحويل تلك الدولة إلى قوة ذات صوت حاسم في الجغرافيا السياسية، فضلاً عن تصدير وبيع المنتجات الصناعية العسكرية التركية”.

وبحسب ملاحظته، فإن الطموحات الشخصية لأردوغان هي أيضاً أساس هذه السياسة، لأنه أصبح فعلاً ظاهرة في الحياة العامة للدولة المجاورة، ربما في المرتبة الثانية بعد أتاتورك، الذي يريد رفع سمعة تركيا في العالم كله بكل الوسائل. وتقترح أنقرة القيام بدور الوساطة في مختلف النزاعات وتقدم برامج مختلفة لتسوية النزاعات، وهو ما يعد أيضاً تعبيراً عن طموحات أردوغان. والصراع الروسي الأوكراني دليل واضح على ذلك.

ومتطرقاً إلى التطورات في الشرق الأوسط، لا سيما الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ودور تركيا في هذا السياق، أكد سافراستيان أن أنقرة الرسمية تدين إسرائيل بأشد الطرق، لكنها في الواقع تواصل الحفاظ على التجارة الجادة مع ذلك البلد، كما تنقل أيضاً إمدادات الطاقة إليها.

وتابع الخبير في الشؤون التركية: “هذا نهج مزدوج. كما وجه أردوغان نداءً لتولي دور حفظ السلام هنا، ولكن كما يظهر من مسار الأحداث، فإن هذا النهج المزدوج غير مقبول في العالم العربي، وبالتالي فإن تركيا غير موثوقة. كانت هناك لحظة أصبحت فيها العلاقات التركية الإسرائيلية متوترة للغاية، ولكن بفضل الدبلوماسية السرية التي نفذها رئيس الأجهزة الخاصة السابق، هاكان فيدان، كان من الممكن تنظيم العلاقات إلى حد ما. ومع ذلك، فإن الحرب في غزة أدت إلى أن العلاقات التركية الإسرائيلية، على المستوى العام على الأقل، هي في أدنى مستوياتها”.

وفي حديثه عن التطورات في جنوب القوقاز، ذكر سافراستيان أن السياسات المتعلقة بمنطقتنا وأرمينيا قد تراجعت مؤخراً في حجم التفضيلات الخارجية لتركيا.

وأضاف: “ويرجع ذلك إلى حقيقة أن تركيا تريد أن تلعب لعبتها الكبيرة على المستوى العالمي. ومع ذلك، فإن الوضع المتفاقم في الشرق الأوسط يجبر الدبلوماسية التركية على إيلاء المزيد من الاهتمام لهذا الاتجاه، وفي جنوب القوقاز، حققت أنقرة على الأقل جزءاً من رغباتها، لأنه لأول مرة لا يتواجد الجيش التركي في ناخيتشيفان فقط. ولكن أيضاً في أذربيجان نفسها. يقوم ممثلو كبار الأركان التركية بتنسيق أنشطة الأركان الرئيسية للجيش الأذربيجاني، وهو ما حدث في ظل ظروف ضعف دور الاتحاد الروسي سياسياً في منطقتنا. الوضع الحالي مفيد للجانب التركي، لذا فهو لا يتخذ خطوات إضافية لزيادة نفوذه، لأنه مشغول، في تصوره، بقضايا أكثر أهمية”.

ويعتقد أن تركيا تنتظر أن تقدم أرمينيا تنازلات وتوقع معاهدة سلام بموجب الشروط التي تطرحها أذربيجان، ولذلك وضعت أنقرة باكو في المقدمة وتنتظر أن تحقق الأخيرة أهدافها. وبحسب قوله، فإن موقف إيران مهم للغاية أيضاً. ورغم أن تركيا تكره جارتنا الأخرى وتنافسها، إلا أنها تأخذ في الاعتبار العامل الإيراني. ويتبع الجانبان سياسة متوازنة، ويتجنبان المواجهة المباشرة. إن عدم إصرار تركيا على الفتح الفوري لما يسمى بـ”ممر زانغيزور” واستغلالها بشروط تركية أذربيجانية، يعود إلى العامل الإيراني.

وفي تحليله للعلاقات الروسية التركية، أكد سافراستيان على أنه على الرغم من أن تركيا تعتبر استراتيجياً جزءاً لا يتجزأ من الغرب، وهي حليف مخلص للولايات المتحدة وواحد من أكثر الأعضاء نشاطاً في حلف شمال الأطلسي، فقد حدثت تغييرات مهمة في العلاقات الروسية التركية على مدار 6-7 سنوات الماضية، وهي ذات طبيعة تكتيكية، حيث أن كلا الطرفين مهتمان بمواصلة تطوير العلاقات، والتي يمكنهم من خلالها الحصول على فوائد كبيرة إلى حد ما ويحصلون عليها بالفعل.

وقال الخبير في الشؤون التركية : “تركيا تساعد روسيا على تجاوز العقوبات، وهي صفقة متبادلة المنفعة، لأنه بعد الصراع الروسي الأوكراني في عام 2022، تلقت أنقرة 20 مليون دولار في الأشهر الستة الأولى. كما ساهم في تحقيق السياسة المتوازنة للبلدين في جنوب القوقاز، أي أن كل منهما بدأ يدرك مصالح الآخر ويتحملها. هناك ظرف آخر لم يتم الحديث عنه كثيراً. لا تفوت تركيا فرصة تقليص النفوذ الروسي في البحر الأسود. وأغلقت أنقرة حركة السفن الحربية عبر مضيق البوسفور، ما أدى إلى تقليص الأسطول الروسي بشكل كبير في ظل تعرضه لضربات مستهدفة من أوكرانيا. في الواقع، لا تسمح تركيا لروسيا بتجديد أسطولها في البحر الأسود، بل تريد منها أن تضعف تدريجياً وتفقد قوتها السابقة، وهو حلم تركيا الطويل الأمد”.

وبحسب سافراستيان، فإن عدم القيام بزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أنقرة ربما يكون سببه تجميد العلاقات، ولا يزال السؤال ما إذا كان سيتم ذلك في المستقبل القريب أم لا. وفي موسكو، يدركون بوضوح أن الجانب التركي لا يخجل من اتخاذ خطوات تتعارض بشكل واضح مع المصالح الروسية.

إظهار المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى