Topالعالم

إعادة إعمار غزة: الفرص السانحة وأجندات السياسيين

بحسب “العربي الجديد”، طرح ثلاثة باحثين مرئياتهم أمام التحديات المركبة التي تواجه عمليات إعادة الإعمار في قطاع غزة في سياقات فلسطينية وعربية ودولية، والفرص المحتملة لنجاح استراتيجية الإعمار وسط حرب الإبادة غير المسبوقة على يد الاحتلال مدعوماً بحلفاء مباشرين ومتواطئين، بالإضافة لمعاينة أوجه التعمير في مستويات عديدة تشمل البنى التحتية والسكنية والنسيج الاجتماعي والنفسي.

وجاء ذلك في ندوة عُقدت الأحد في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تحت عنوان “تحديات إعادة الإعمار في غزة بعد العدوان”، وأدار الندوة محمد أبو نمر، أستاذ كرسي عبد العزيز سعيد للسلام الدولي وحل النزاعات في الجامعة الأميركية في واشنطن، وشارك فيها غسان الكحلوت مدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني في معهد الدوحة للدراسات العليا، وغسان أبو ستة وهو طبيب بريطاني/ فلسطيني وأستاذ مشارك في علم الجراحة، وعلي الزعتري الموظف السابق في الأمم المتحدة.

وقال الكحلوت إن إعادة الإعمار يجري غالباً تفسيرها على أنها إعادة إعمار البنية التحتية لكنها عادة ما تشير إلى إعادة بناء دولة أو منطقة بعد انتهاء الحرب أو النزاع وتشمل إعادة بناء البنية التحتية، مثل المباني والجسور والمرافق، لكنها أيضاً تشمل معالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتقديم المساعدة الإنسانية من الغذاء والمأوى والرعاية الصحية والتعليم.

وفصل الكحلوت ذلك في مراحل تبدأ بعمليات الإغاثة الطارئة وعودة النازحين والمهجرين، والثانية تخص إعادة بناء البنية التحتية المادية والاجتماعية، واستعادة بناء القطاعات الإنتاجية الرئيسية والاستقرار الاقتصادي، والأخيرة تخص أنشطة التطوير والتنمية، وإرساء الاستقرار للمنطقة وإعادة بناء أسس الحوكمة وتنفيذ إصلاح اقتصادي ومشاركة اجتماعية شاملة.

غير أن سياق حرب الإبادة التي أدت إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة ومع كون فترة ما بعد الحرب تتسم بعدم الوضوح مطلقاً، وفق ما يبدو له، فإن صياغة إعادة الإعمار في غزة لن تكون مطابقة لسياقات سابقة، بسبب حملة التدمير الممنهج لجعلها منطقة غير صالحة للسكن والعمران، بهدف دفع السكان للهجرة إلى خارجها.

ومن التحديات التي يعاينها وهي تواجه عمليات إعادة الإعمار الدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة، وهو ما يصعب إجراء مسح دقيق للخسائر بعد عشرات آلاف الأطنان من المتفجرات التي أسقطها الاحتلال ونجم عنها تدمير 70 ألف وحدة سكنية تدميراً كاملاً و290 ألفاً تدميراً جزئياً، ومئة جامعة ومدرسة دمرت بشكل كامل و295 جامعة ومدرسة بشكل جزئي و140 مقراً حكومياً دمرت تدميراً كاملاً، و183 مسجداً دمرت تدميراً كاملاً و264 تدميراً جزئياً وتدمير ثلاث كنائس و200 موقع أثري وتراثي.

وساق الكحلوت جملة من الأرقام المريعة، وبعضها جاء في تقارير مؤسسات دولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي، ومن ذلك التقرير الأممي الذي يفيد بأن نحو 97% من المياه غير صالحة للاستهلاك البشري، وأن حصيلة قتل الناس نتيجة نقص الماء يمكن أن تتجاوز حصيلة القصف.

وأضاف المحاضر أن التحديات المتعلقة بإعادة الإعمار تتطلب وقف الحرب بشكل دائم وتحقيق شعور بالاستقرار، ودونه حتى اللحظة وجود حكومة يمينية متطرفة فضلاً عن تواطؤ دولي داعم لمساعيه الاستيطانية.

وفي إطار الاستفادة من التجارب السابقة، قال إن إعادة الإعمار التي أعقبت عدوان عام 2014، شهدت قيوداً شديدة تبين على أثرها أنها ليست أكثر من ترتيبات تضفي الشرعية على الحصار وإحكام السيطرة المطلقة للاحتلال على هذه الترتيبات، الأمر الذي جعل وتيرة الإعمار بطيئة.

وعن تحدي التمويل، قال إن ثمة عقبات أشد صعوبة هذه المرة، إذ إن الدول العربية، وفقاً لوزير الخارجية الأميركي، ليست حريصة على المشاركة، مع مخاوف إعادة تدمير ما يُعمّر من جديد بعد سنوات، كما أن هذه الدول مختلفة حول رؤيتها للتسوية السياسية في غزة.

ونظراً إلى حجم الدمار، رأى الكحلوت أن المجهود المطلوب ليس عربياً فقط وإنما دولي، ولكن الدول الغربية مترددة بشكل كبير لعوامل عديدة، منها أزماتها الاقتصادية، والحرب في أوكرانيا فضلاً عن تسريبات نُشرت عن عدم الرغبة في دفع أموال دافعي الضرائب ليتم هدمها بين فترة وأخرى.

وإذ برزت بعض الدعوات بشأن مطالبة المحتل بتحمل تكاليف إعادة الإعمار، لكن ورقة المحاضر تشير إلى محتل “استثنائي” يريد لاستثنائيته أن تتواصل، ما يجعل هذه الدعوات غير قابلة للتطبيق على المستوى الواقعي، مع الدعم الذي يتلقاه الاحتلال من المجتمع الدولي، بل إنه بدوره يطالب بتعويضات عن آثار هجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول.

وختم أخيراً بالقول إنه ليس ثمة طريق آخر لتفعيل عملية إعادة الإعمار بحق دون إخراج المحتل من المعادلة، وإن التضحيات العالية تدفع لضرورة أن يكون هناك إنجاز سياسي كبير تتم بموجبه خطة إعادة الإعمار مرتبطة بإنهاء الحصار، وإنهاء الهيمنة الإسرائيلية ومحاسبتها على جرائمها.

ضد المحيط الحيوي

غسان أبو ستة، الطبيب الذي عايش فصلاً مريعاً من حرب الإبادة في أكثر من مستشفى في غزة، طالب ببناء صحي وليس إعادة بناء.

وتطرق إلى مفهوم “المحيط الحيوي للحرب” المبني على أن الحروب القاسية وبسبب طولها وإجرامها تخلق محيطاً حيوياً يقطن فيه سكان المنطقة لعقود ما بعد الحرب، وفيها يعمد المعتدي إلى استعمال استراتيجية ترسم حدود صحّتهم وتعيد أذيّتهم بطرق مختلفة.

فالتدمير المنهجي لنظام الصرف الصحي وكذا التدمير الشامل للرعاية الصحية، وسوء التغذية وانهيار المنظومة الطبابية للأمراض المزمنة، ووجود ظاهرة البكتيريا المعاندة للمضادات الحيوية بسبب القذائف، تؤدي إلى إبقاء ضحايا الحرب في حالة أذيّة صحية حتى بعد انتهاء الحرب.

وأمام 70 ألف جريح كيف ستكون حالهم إذا ما قورنوا بثمانية آلاف أصيبوا في مسيرات برصاص القناصة بأحد أطرافهم، ومع ذلك أخذت إعادة ترميمها مع العلاج الطبيعي أربع سنوات، بمعدل تسع عمليات لكل مصاب، ومن بين ستة آلاف طفل حالياً أجريت لهم عمليات بتر لأحد الأطراف، فإن كل طفل يحتاج إلى ما بين 8 إلى 12 سنة علاجية، علماً أن الطفل يحتاج في مراحل نموه إلى طرف صناعي جديد كل ستة شهور، كما أوضح.

وبالنسبة له فإن هذا المحيط الحيوي للحرب يستدعي وجود نظام صحي فلسطيني يفككه ويفكك هدفه الأساسي الذي يقوم على تحويل غزة إلى مكان غير قابل للحياة، وهو ما وصفه أيضاً بالنضال الصحي الذي ليس جديداً على تاريخ حركة التحرر الفلسطينية، المعروفة مبكراً بإيلاء الأهمية للنظام الصحي للشعب.

ورداً على سؤال بشأن الخطوات المستعجلة، قال إنها بالمرحلة الأولى تقضي بإدخال عدد كبير من المستشفيات الميدانية، مبيناً أنه خلال ثلاثة أو أربعة أسابيع يمكن تجهيزها وتدشين عملها، كما أن مستشفيات الشفاء والأهلي والعودة قادرة ببعض الإصلاحات على العودة للعمل بنسبة 70%، أما القطاع الصحي في الجنوب فقد توقف لأنه محاصر لا بسبب التدمير وبالتالي يمكن إعادة إنعاشه، وفي المرحلة التالية يمكن توسيع بعض المستشفيات لزيادة قدرتها الاستيعابية، وهذه تستغرق ما بين أربعة أسابيع إلى 12 أسبوعاً.

نقيض الحياة

وبدأ علي الزعتري بإقراره بأن الإغاثة الإنسانية والتعافي المبكر مثل إزالة الأنقاض والمشاريع الصغيرة المنتجة وإصلاح مرافق الكهرباء، والماء، وفتح شوارع وإعادة البناء أمر لا جدل بشأنه، لكنه “في غزة يخضع للسلطة الصهيونية التي هي نقيض الحياة والبقاء والبناء”.

غير أنه يفرق في هذا السياق بين الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار، حيث الأخيرة يعتريها جدل لوقوعها تحت نقاش سياسي دوماً، خاصة عندما تكون الأجندات لها غرض آخر.

فسورية، كما يجدها، مثل واضح، حيث لا توجد فيها إعادة إعمار من خلال الأمم المتحدة، لأن المانحين يشترطون التغيير السياسي في الحكم قبل إعطاء أي تمويل. والحال في غزة أنها تعيش أزمة مزمنة متراكمة تفاقمها الحرب، بينما خطط الأمم المتحدة للإغاثة تصطدم حتى الآن بمعابر مغلقة أو مقيدة، وبرفض صهيوني، مع وصول زهيد للمساعدات واستمرار في الإبادة.

واسترجع الزعتري آلية إعادة الإعمار التي تلت عدوان 2014، مخالفاً ما ذهب إليه غسان الكحلوت، قائلاً إنها ومع ما شابها من قصور إلا أن ثمة نجاحات مكنت أهل غزة من إدارة حياة طبيعية إلى حد ما، وبناء مستشفيات ومدارس وجامعات، وهي الآن أصبحت ركاماً.

لكن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ويصفها بـ”سيدة الإغاثة” منذ ما بعد النكبة، هي ذاتها في هذه الحرب تحت مطرقة التفتيت، إذ علق المانحون حوالي 80% من المساعدات، بعد تواطئهم مع الرواية الصهيونية، ما قد يدخلها في دهاليز الصياغات السياسية لاستخراج مبررات إقصائها.

وعليه إن لم تحصل على ما يقارب 440 مليون دولار حتى نهاية فبراير/ شباط الحالي ستضطر لتقليص عملها.

ولفت إلى أن الأونروا قد تنجو من الإلغاء، لكنها ستخضع لنوع من الرقابة، علماً أن الطروحات الصهيونية تريد إزالتها تماماً، وتبذل ما في وسعها لهذا، مثلما تذرعت بوجود 13 موظفاً فلسطينياً في هذه المنظمة منضوين في أطر المقاومة، بينما لم ترصد الأونروا أدلة على ذلك.

وإلى صلب موضوع الإغاثة وإعادة الإعمار والتعافي، فهي عنده حق لا تحتكره الأمم المتحدة وشركاؤها، بل لأهل غزة صوت يجب أن يُسمع، ولكنه يتساءل: هل أهل غزة، بحسب النظرة الدولية لهم، هم السكان المشردون ويناهز عددهم المليون و700 ألف إنسان، أم هم المقاومة، أم السلطة الفلسطينية في رام الله، أم اللجان التي سينشئها الاحتلال وتتولى تسلّم المواد الإغاثية وهي أشبه بروابط القرى سيئة الذكر (أنشأها الاحتلال في أواخر السبعينيات)؟

العمل الإغاثي في غزة ليس سهلاً وهو من المستحيلات في الظروف الحالية، حسب قوله، لكنه رداً على أحد السائلين قال إن الاستحالة لا تصدر عن يائس بل عن راغب في أن نكون واقعيين في تفكيرنا.

إظهار المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى