Topالعالمتحليلات

سياسة واشنطن تجاه حرب غزة: المطلوب نسيانها حتى إشعار آخر؟

بحسب “العربي الجديد”، في كلمته يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تعهد الرئيس الأميركي جو بايدن لحكومة إسرائيل بمنحها ما تحتاجه من وقت وفسحة ودعم، لتحقيق ما تريده ضد حركة “حماس”. بعد انهيار مفاوضات تمديد الهدنة قبل يومين، كرّرت إدارته التعهد نفسه، ولو بصيغة مواربة، إذ لم تطلب من إسرائيل التي استأنفت عملياتها العسكرية سوى “تقديم خطة” لحماية المدنيين، وتحديد “ممرات إلى مناطق آمنة” يمكنهم اللجوء اليها، وكأن في غزة مناطق آمنة، أو كأن إسرائيل التزمت، خلال الجولة الأولى، بقوانين الحرب التي زعمت الإدارة أنها شددت عليها منذ البداية.

وقد بدا من رخاوة ردود المسؤولين على سقوط مئات الضحايا من المدنيين في اليومين الأخيرين أن “الخطة” المزعومة ليست أكثر من قناع لرسالة مفادها أن المطلوب هو نسيان حرب غزة في الوقت الحاضر، بصرف النظر عن كلفتها من المدنيين، ولغاية أن تحقق إسرائيل أغراضها منها، وهي مدة مفتوحة “مهما طال أمدها، ولحين تدمير حماس، واستعادة الرهائن”، على حدّ تعبير المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية أمس السبت.

وتبع هذا التعليق تصريح لمتحدث عسكري بنفس المعنى، ومن دون أن يصدر أي شيء عن واشنطن حول السقف الزمني للعمليات، سوى تسريبات تحدثت عن أسبوعين أو ثلاثة، مما يشير إلى تفاهم، أو على الأقل، إلى استعداد واشنطن للتهاون بشان المدة “اللازمة” لإسرائيل، علماً أنه حتى الآن ما زالت التحفظات، بل الشكوك، غالبة على التقديرات بشأن إمكانية تحقيق الأهداف العسكرية الإسرائيلية التي حدّدتها حكومة بنيامين نتنياهو، وخاصة في الأمد القريب، مع ما سيترتب على ذلك من تعاظم الكارثة الإنسانية في القطاع، حيث من المتوقع ألا يختلف المشهد الميداني بعد الهدنة عمّا كانه قبلها، رغم ما تردّد عن وعود إسرائيلية بشأن حماية المدنيين هذه المرة. وحصيلة اليومين الأولين من استئناف العمليات التي تجاوزت مئتي ضحية تؤكد ذلك.

في ضوء ذلك، وما قد يتسبب به تفاقم الكارثة الإنسانية في غزة من صداعات محلية وإحراجات خارجية، تساءلت بعض الأوساط عن الحيثيات التي حملت البيت الأبيض على عدم الإصرار على تمديد الهدنة، التي لم تكن لترى النور أصلاً “لولا تدخل الرئيس”.

من التفسيرات أن بايدن يشتري الوقت مرة أخرى كما فعل في البداية، بحيث يتمكن بعد فترة غير بعيدة من الدفع نحو هدنة أطول، إذا تعثرت العملية العسكرية، وتعذر عليها تحقيق نتائج وازنة، وخاصة إذا رافقتها كلفة بشرية عالية. فهو ليس في وارد التعامل مع إسرائيل بلغة الحسم عند محطات معينة، كما فعل بعض الرؤساء السابقين، لحملها على القبول والانصياع لمشيئة ولي النعمة.

التزامه الشخصي حيالها، بل “شخصنة سياسته” الإسرائيلية، تحول دون ذلك. وقد تردد التحذير من مخاطر هذا النهج الذي قد يؤدي إلى الوقوع في خطأ الحسابات. والخطر هنا يكمن في “كيفية قراءة نتنياهو واستخدامه لمثل هذا الالتزام”، حسب الخبير والدبلوماسي السابق آرون دافيد ميلر. والاعتقاد أن رئيس “الليكود” نجح في تجيير مشاعر بايدن هذه لصالحه، عبر حمل الرئيس على المضي مع خيار استئناف الحرب “لشرعنتها”، والأهم للإضرار بحلّ الدولتين على المدى الأبعد، والذي يتمسك به بايدن، وإن لفظياً. ولم يكن ذلك بالأمر الصعب على نتنياهو، بعد أن لمس تراخي الرئيس في الدفاع عن الهدنة، ناهيك وقف إطلاق النار، وهو ما سمّاه النائب السابق لمستشار باراك أوباما لشؤون الأمن القومي بن رودز بـ”الانحناء الدفاعي”، الذي أضعف موقف البيت الأبيض وترك المبادرة للحكومة الإسرائيلية.

والأخطر حسب بعض التقديرات أن تؤدي إطالة الحرب إلى تدحرجها نحو التوريط، أو إلى تعزيز فرص افتعال توسيعها. والمفارقة بالنسبة للرئيس أنه يمضي مع حرب غزة خلافاً لما تراه شرائح مهمة من قواعد حزبه، في عام انتخابي، وهو في وضع صعب حسب ما تشير إليه الأرقام، ولا يبدو حتى الآن أنه مقبل على التحسّن.

إظهار المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى